top of page

يمامة النهر

  • Writer: محمد شحاته حسين " محمد العريان"
    محمد شحاته حسين " محمد العريان"
  • Apr 14, 2021
  • 3 min read

كانت آتية في كامل زينتها من الجانب الشرقي. ترفل فوق الماء، وكأنها سيدة النهر. و كان لها ما يشبه الجناحان العظيمان على جانبيها.

كان سقفها متلألأ بالأنوار، تحمل فوق ظهرها بعض السيارات الصغيرة، وتحمل العديد من العابرين القادمين إلى المدينة الغربية.

حتى إذا توسطت مجرى النهر بدا حديدها المطلي باللون السماوي في ظلمة الليل الحالك البنفسجي، وكأنها ابنة هذا النهر العملاق.

و أسفل شجرة صفصاف على الشاطيء الغربي حيث أجلس ومن ورائي المقهى، كان الليل يطير فوقنا وفوقها بنجومه، بينما على آخر امتداد الرؤية من الجهة الجنوبية أو القبلية حيث تعود الناس تسميتها كان الظلام يغطي كل شيء، السماء والنخيل وأشجار الموز والشاطيء البعيد. وكلما اقتربنا بالرؤية تجاه المرسى الشرقي القادمة منه العبارة النهرية أو كما تعودنا تسميتها العوامة كانت تزداد الأنوار. فكأنها آتية من بوابة من عالم من النور البهيج.

والتي كان نورها الملون يتموج فوق ماء النهر في مسارات شرقية غربية والعكس.

وفي هذا الوقت وقبل الساعة التاسعة تكن العوامة على أقصى درجات التحميل، فهي الساعات الأخيرة قبل الإغلاق. لتستعد للفتح في اليوم التالي في تمام الساعة السادسة صباحا.


وما إن حطت جانبها المرتفع على الشاطيء، ليكون جسرا لنزول العابرين والسيارات إلى بر الشاطيء. كانت كأنها طائر عملاق يخفض جناحه المعدني استعدادا للهبوط.


تدفق الناس منها، بمختلف أشكالهم، ما بين فلاحين وعمال ومحامين ونساء وأطفال. وحقيقة كان يشوه منظرها وجود بعض المهندمين أكثر من اللازم. وهذا شعور ينتابني عادة في مختلف وسائل المواصلات. حين أرى شخصا يرتدي ملابس أنيقة كاملة ذات أبهة في مواصلات عادية للكادحين. فيبدو لي وكأنه يمثل دورا ليس له، وإنني أعلم أن المسارح لم تعد وحدها أبدا أرضا للتمثيل، بل ربما هي المسارح أماكن اتفق الناس على أن يكون فيها الناس معترفين بأن ما يجري على أرضها هو تمثيل، على عكس بقية الأرض التي يمارس فيها الكثيرون التمثيل بالخفاء والنفاق، فالتمثيل بدأ أولا، ثم خصصت له المسارح لتكون بيوتا صغيرة تحكي ما يحدث خارجها من أحداث في الحياة الكبيرة.

ويزيد النفس شعورا بالإشمئزاز حين يحاول هؤلاء الناس إظهار أن لديهم شعور بالإشمئزاز، وأن ركوبهم لوسائل المواصلات الجماعية ما إلا ظرف طاريء، وعما قليل سينتهي، ومن بعدها سيعود هذا الأنيق إلى سيارته الفارهة.

وإني لا أعرف إن كانت العوامة تعرف هذا أم لا، لكنها تبدو سعيدة وهي تؤدي عملها وتستعد لقضاء الليلة على الشاطيء مع مثيلتها، عوامة اخرى، تبادلها العمل.

ويالا روعة المشهد حين يلتقيا في منتصف النهر، وكأنها يلعبان سوية.

ويرى العابرون العابرين، ويحدث كثيرا أن يتبادلون التحية والإبتسامات، وكأنهم يعرفون أنهم في مكان غير عادي.

ولكن نرى أحيانا بعض الصامتين الذين لا يعني لهم ما يجري، وكأنهم اعتادوا ركوبها، فيبقون على حالهم بلا مشاعر واضحة.

وغالبية هؤلاء من الذين يحملون البضائع المختلفة.

ففي الساعات الأولى من الصباح، عادة ما تكون الحمولة مليئة بالخضروات الطازجة المبللة و الجبن والسمن والقشدة، كما تكون العربات عادة محملة بأقفاص الفاكهة.


ويوم قيل أن الحكومة تنوي بناء كوبري عملاق يعبر النهر، شعر بعض الناس بالفرحة، وشعر البعض بوجود مشاكل ستحدث نتاج الكوبري، الذي لن يكون بسببه التدفق البشري والتجاري بين البرين متكافئا، مما سيجلب مشاكل للمدينة الغربية أكثر مما سيجلب لها الخيرات.

بينما كنت أرى أنه مع إقامة هذا الجسر العملاق فسينتهي عمل اليمامتين إلى الأبد. وسينتهي صوتهما الذي يملأ الوادي ضجيجا محببا.

إنك إن تجلس إلى الشاطيء أثناء ساعات عملهما، تترنح الأمواج مع مجيئهما وذهابيهما، وصوت ارتطام الموج بالشاطيء لن يعود كما كان لو توقفت هاتين العوامتين عن العمل.

إنك أن تصغي له،ستشعر مع كل ضربة موج للشاطيء وكأن شيئا ما داخلك يتطهر.

ينطلق العابرون نازلين من على سطحها عبر جناحها الحديدي، لينتشروا يمنة ويسرة في شارع النهر. كل منهم إلى وجهته، وغالبا ما تكون وجهة أكثرهم في الصباح إلى السوق، و أما الموظفون فينطلق كل منهم إلى عمله.


اقتربت الساعة التاسعة، و تجنح العوامة إلى مكان مبيتها المجهز لها على الشاطيء، لتطفيء أنوارها، وتكف عن العمل. ويبدأ الليل النهري الخالي،.لكن مهلا، فبعض المراكب الخشبية الكبيرة المجهزة بمحركات متفق على صنعها كيفما اتفقت، تقوم بنقل من يريدون العبور في ساعة متأخرة. وهذه المراكب ليس هذا عملها الوحيد، فهي تقوم أحيانا بنقل الممنوعات كالمخدرات والأسلحة، وعادة ما يقصدها الهاربون من الأحكام القانونية. إلا أن لها رونقها الخاص، وإن لم يكن لها نفس الحضور في مسرح النهر الكبير كما للعوامتين .


أذكر مرة توقفت هذه العوامات عن العمل أياما، ظن الناس وأنا واحد منهم، أنها قد عطلت بقصد، ليتم مشروع الكوبري. كان النهر جميلا، لكن شيئا ما ينقصه ولا يمكن استكماله إلا بهاتين المكافحتين.

وحتى يتم إنشاء الكوبري، إن تم، فإن صوت هاتين العوامتين سيبقى صداه، فهي لا تنقل العابرين وحسب، بل وتنقل الرسائل بين نخيل الشاطئين.

تهب الآن النسمات الآتية من الشمال، فموج النهر يتدفق من الجنوب، بينما الرياح فوق النهر تتدفق من الشمال. وعلى طول مسار نجمة الصباح، التي تبدو ساطعة بقوة في الأفق الشرقي للنهر. لطالما مرت الليالي الجميلة. لتأتي صباحات مفعمة بالنشاط. مليئة بالأحلام الوردية والمحطمين.



محمد شحاته حسين








 
 
 

Comments


  • White Facebook Icon
  • White Twitter Icon
  • White Instagram Icon
  • White YouTube Icon

جميع حقوق النشر محفوظة لدى موقع دروب

 

bottom of page