top of page

الزهو العام " من رسائل إحسان"

  • Writer: محمد شحاته حسين " محمد العريان"
    محمد شحاته حسين " محمد العريان"
  • May 9, 2023
  • 4 min read

" ما وراء الأفق / الزهو العام"


عزيزي محمود بعد التحية ،

إن البشر في الحياة مدفوعين بقوتين، إحداهما ميلهم الفطري إلى التنظيم، والأخرى هي شعورهم المتنامي بأهمية التنظيم. ومن هاتين القوتين ظهر ما يمكن أن نسميه بالغرور التنظيمي أو " الزهو العام". وهو ما يجعل البشر يميلون تجاه صنع مدن ومصانع وآلات معقدة، تحتاج إلى جهد بالغ، معتقدين بأن هذا التعقيد يعني الكفاءة والقدرة. في مقابل اتجاهات تبدو سحرية أو ميتافيزيقية، تشبه في تصورها تصورنا لعصا موسى وقدرتها الهائلة رغم بساطة تكوينها. ولما غلب هذا النوع من التفكير على الوعي البشري، اندثرت فكرة التشغيل الأولي البسيط، وصارت الكهرباء والأسلاك ومراحل التصنيع المعقدة دلالة على خطوات تقدمية لا يمكن للعقل غير الدارس فهمها أو ممارستها. فالبشرية في هذا التقدم الشاسع، تشبه شخصا أراد لعب كرة القدم، فذهب خطوات بعيدة جدا في محاولة إجادتها ومعرفة قوانينها وظروفها والتمارين اللازمة لها، لكنه أبدا لم يجرب ولم يقف ليفكر للحظة ليكتشف رياضة السباحة. التي لم تخطر له على بال ولو مرة. فالبحر أمامه مجرد مسطح مائي هائل وعميق. فالسفينة هي أول اختراق للفكر البري، وهي المخرج الأول إلى عالم لم يتخيل المرء أنه يمكنه أن يتعامل معه بأي شكل. ولو تأملنا السفينة، لربما ساورنا فكر ما بأنها أعظم ما اخترعه البشر في التغلب على أسلوب حياة وحيد كاد أن يكون لا مفر منه. إن البشرية حين تقطع مراحل كبيرة في اتجاه ما، فهي عادة ما تصل إلى نقطة يمكن تسميتها بالنقطة الحرجة، النقطة التي سنبذل جهدا أكبر من طاقتنا لنتعداها ،لنحصل منها على عائد أقل. فالنقطة الحرجة حيث تبدأ البشرية في الصرف من مجهودها على اتجاه لن يأتي بفائدة أكبر مما لو احتفظنا بطاقتنا. فهي تمثل حاجزا تنقلب فيه الأمور، ويصبح المضي خلاله كمن يسير على أرض ذات جاذبية شديدة، لا يمكنه أن يخطو خلاله إلا بجهد ومشقة بالغين.فالبشرية عادة ما تخطو خطوات بطيئة من ثم سريعة، سريعة جدا، تصل إلى مرحلة القفز، من ثم تعود إلى السير بخطى بطيئة، حتى تتوقف. وبكل بساطة إذا ما كانت البشرية شركة فهي إن وصلت إلى هذه النقطة فستخسر تدريجيا حتى تنهار. وحينها يجب على البشرية أن تسلك مسلكا مغايرا، أن تبحث عن أفق جديد،قبل أن تثبت في مكانها ولا تستطيع أن تتقدم أكثر مما تقدمت، بل وستخسر كل ما حققته خلال مضيها العنيد في نفس الإتجاه. إن هذا الحاجز الحضاري إن صحت تسميته بهذا الإسم، يشبه أسلاك شائكة على حدود صعبة، فنجد أشلاء وأثار البشرية على أسلاك هذا السور وحوله، ولا مانع لو مشينا بعد الحدود لنجد حضارة بائدة هنا وهناك على بعد مئات الأمتار منه. لعل الكثير من الحضارات الكثيرة التي سبقت في تاريخنا البشري قد تعرضت لهذا الوضع البائس، أن وصلت إلى نقطة لا يمكنها بعدها أن تقدم المزيد، فتوقفت وانغلقت على ذاتها حتى انهارت. وقبل انهيارها ظلت تنتظر الطبيعة لإنقاذها. ولكن عادة ما تأتي الطبيعة لتقضي عليها، كرسالة ضمنية بأن هذه الحضارة لا توجد قوة تستطيع أن تمدها بأسباب بقاء جديدة، وأنه حان دور تفكيكها أو محوها. فحين ننظر في القصص نجد نوح ذلك الذي قال لقومه أنكم وصلتم لمستويات عليا في التقدم، ولكن بدأت أعدادكم تتناقص ومواردكم تنفذ، وألا مزيد من الأسباب يمكنها إنقاذكم، ودعاهم إلى خطة إنقاذ لها مفردات ودواعم غير مادية، كتعديل العبادة، والإستغفار، وترك كل ما يخالف دين نوح. لكن خطة نوح لم تلق عندهم آذان صاغية، ولم يهتموا بها، وقد كانوا ينتظرون الطبيعة لتنقذهم، فكلا من نوح وقومه أدرك أن هذه نقطة حرجة لا يوجد لها أي حل مادي، وأيقن كلاهما أن الإنتظار هو الحل الوحيد لإنقاذ الموقف، وبالفعل أتت الطبيعة بخطتها، ولكن نوح كان يعلم أن الطبيعة لن تأتي لتنقذهم بل لتتخلص منهم، على عكس ظنونهم وتوقعاتهم، فصنع السفينة، التي هي أكبر معجزة في تاريخ البشر. تلك المركبة التي ستحول مجرى فعل الطبيعة بالكامل لصالح من يركبها، فالماء الذي سيغرق حضارة قومه، هو نفسه الذي سينقذه ومن آمن بخطته من خلال هذه السفينة، التي تحولت فجأة إلى بر وحيد. وقوم عاد الذين وصلوا إلى درجة تقدم رهيبة، ظنوا معها أنهم قد فهموا كل أسباب البقاء، وتعرضوا لمشكلة ندرة الماء، وهي نفس مشكلة قوم نوح، فانتظروا، ولكن جاءتهم الطبيعة بالريح، فذهبت حضارتهم أدراج الرياح. وإن كان من بين البشر من لا يعتقد بهذه الأقوام، فالأرض مليئة بالآثار العجيبة من مختلف الحضارات، ولا نعرف على وجه الأرض امتدادا لأي منهم، سوى امتدادات عرقية ربما، أما الإمتدادات المعرفية فمنقطعة، وإن كان منها ما هو موجود فهو فاقد للأسباب إن البشرية اليوم تمضي تماما على نفس خطى تلك الحضارات، وكل محاولاتها العبثية للخروج عن المسار هي التفافات هزلية،فالنفط هو مصدر كل حضارة اليوم، ومن خلاله يتم توليد الكهرباء، التي هي الأساس لكل حضارة اليوم. وبدلا من محاولة إيجاد بديل للكهرباء، فهم يبحثون عن بدائل لمصادر توليدها. بالطبع ليس الأمر سهلا، فهو بنفس التعقيد والبساطة والفجأة والإستطاعة والحكمة الرهيبة التي صنعت السفينة. إن من يتأمل السفينة قبل صنعها لن يجد شيئا، فالسفينة قبل أن توجد، هي بنفس صعوبة تصورنا للخلق نفسه، والبشرية اليوم أو في زمن ما قادم ستحتاج إلى معجزة تشبه معجزة خلق السفينة. ذلك أنها ستصل إلى درجة تجد فيها نفسها تصرف على أسباب البقاء أكثر مما تبقى. حتى تستنزف كل طاقتها وتموت هناك في الأفق البعيد. فلنبني سفينتنا يا محمود، ولم لم نركبها فستركبها أجيال تأتي من بعد تؤمن بما نقول.


صديقك المخلص دائما إحسان



محمد شحاته حسين آل عمار الشريف

 
 
 

Comments


  • White Facebook Icon
  • White Twitter Icon
  • White Instagram Icon
  • White YouTube Icon

جميع حقوق النشر محفوظة لدى موقع دروب

 

bottom of page