top of page

والت ويتمان "عنكبوت صبور صامت"

  • Writer: محمد شحاته حسين " محمد العريان"
    محمد شحاته حسين " محمد العريان"
  • Dec 10, 2022
  • 5 min read

والت ويتمان (بالإنجليزية: Walt Whitman)‏ (31 مايو 1819 - 26 مارس 1892)، شاعر أمريكي. أحد أهم شعراء أمريكا وأكثرهم تأثيراً في القرن التاسع عشر، تخلى في أشعاره عن الشكل الجمالي العادي للشعر، وهو صاحب المجموعة الشعرية (Leaves of Grass)، التي شكلت أحد العلامات الفارقة في الأدب الأمريكي.

ولد لأبوين ينتميان إلى أصول إنجليزيةوهولندية، عاشت عائلته في بروكلين بين عامي 1832 - 1833، حيث تلقى تعليمه الأولي فيها، لكنه لم يكمل تعليمه واشتغل صبيا في مطبعة. كان يقرأ كل ما تصل إليه يداه:الإنجيل، شكسبير،أوسيان، سكوت، هوميروس، شعراء الهند وألمانيا القدماء، كذلك قرأ دانتي كله، أثرت هذه القراءات على شعره في الإيقاع والمضمون، خاصة في مراحلة المتاخرة.





عنكبوت صبور عديم الضوضاء أضع علامة على المكان الذي يقف فيه منعزلاً على نتوء صغير

معلما كيف يستكشف المحيط الشاسع الخالي يطلق خيوطًا ، خيوطًا ، خيوطًا من تلقاء نفسها ، و لا يطلق سراحها ، ويسرعها بلا كلل دون كلل. وأنتِ يا روحي حيث تقفين محاطة ، ومنفصلة ، في محيطات فضائية غير قابلة للقياس ، بلا انقطاع تتأمل ، وتغامر ، وترمي ، وتبحث عن المجالات التي تربطها (يقصد الخيوط) حتى الجسر ،

و سوف تحتاج إلى تشكيله، حتى تثبت المرساة المطالة حتى خيط البكرة الحريري الذي تقذفه لتلتقط مكان ما ، يا روحي.


وسأكتب النص بالإنجليزية نظرا لمشاكله اللغوية عند تعريبه ليفهم القارىء بعض المشكلات الموجودة في هذا النص والتي سننوه عنها لاحقا .


A noiseless patient spider,

I mark’d where on a little promontory it stood isolated,

Mark’d how to explore the vacant vast surrounding,

It launch’d forth filament, filament, filament, out of itself,

Ever unreeling them, ever tirelessly speeding them.


And you O my soul where you stand,

Surrounded, detached, in measureless oceans of space,

Ceaselessly musing, venturing, throwing, seeking the spheres to connect them,

Till the bridge you will need be form’d, till the ductile anchor hold,

Till the gossamer thread you fling catch somewhere, O my soul.




نجد أن هذه القصيدة بين الشاعر والعنكبوت، تعبر عن تماهي روحي واضح، حتى أنه يناديه أو ينادي نفسه : يا روحي.

بل إن التداخل اللغوي في الإنجليزية داخل النص بين الأفعال ومن هو المخاطب حقيقة لا يمكن تعريبها بدقة لقصور اللغة الإنجليزية في القصيدة عن توضيح الصلات. فالروح مؤنثة والمتكلم مذكر، فحين يخاطب لا نعلم تماما هل يقصد (أنت أم أنتِ؟) هل يقصد نفسه أم العنكبوت أم الروح! وعلى كل حال فمعنى القصيدة لم يتأثر كثيرا.

فهو يرى أن كل فعل يفعله العنكبوت يمثل فعلا هو نفسه الشاعر يحتاج إليه، يشعر بالعنكبوت، ومحاولاته، ومحاولته الإتصال والعبور.


فهو يناور، يتأمل، ويغامر ويرمي خيوطه إلى البعيد، محاولا الوصول إلى شبكته الهلامية. مستكشفا المجال من حوله..والروح تفعل ذلك.

وهنا نرى الشاعر يشرح كافة الأفعال التي يحاولها العنكبوت، ولكن في صمت وإصرار ومحاولات مستمرة..

ونرى أن وصفه العنكبوت بالصبر لا يمثل معرفته به قدر معرفة الشاعر بنفسه. فالشاعر يشعر بالصبر ورأى أن كل ما يفعله العنكبوت هو ما يفعله تماما باستمرار وبما أنه صبور فالعنكبوت هو أيضا صبور.


ورغم كل هذه المحاولات من العنكبوت إلا أنه مازال أمامه عمل لإصلاح الجسر، أو ما شابه من رابطة بينه وبين شبكته. فهناك عمل في المستقبل مازال ينتظره، تعب وجهد منتظر .

وآثرت في ترجمتي البسيطة أن أحيل العنكبوت إلى التذكير وليس التأنيث، فهو الأقرب إلى العقل في هذا الموقف. فأنثى العنكبوت هي القادرة وحدها على بناء بيت، بينما ذكر العنكبوت يلقي فقط بخيوطه هنا وهناك ليتحرك من خلالها ولا يبني بها. وهذا يتوافق وجو القصيدة التي رأت لها عدة ترجمات إلى العربية أقل ما يقال عنها أنها حريصة على الإفتعال.



إن القصيدة وإن كتبها والت وايتمان الذي عاش في القرن التاسع عشر إلا أنها تعبر عن عصرنا بامتياز بفضاواته العنكبوتية، حتى تماثل التشابيه والكلمات.

فهذا النوع من الكفاح أثناء العزلة هو جل ما يفعله البشر اليوم عبر وسائل التواصل الإجتماعي، حتى وصلنا إلى إنشاء مدن سيبرانية، ستبدو في بداية الأمر للتسلية والتنمية القعلية وما إلى ذلك مما يمكن أن يسوقه المعلنون عنها من أفكار ورؤى، بينما أرى أنها محاولة جادة حقيقية لصنع انتماءات بشرية لهذه المدن السيبرانية بكافة ما تعنيه كلمة انتماء، حتى أنني أتصور جنسيات وأعمال وشركات وتوجهات وعصبيات ستنتج جراء التعمق في إضفاء مزية جدية على هذه المدن حتى أنني قرأت خبرا عن إنشاء أول مدينة سيبرانية.

إننا نعيش عصرا ملغما بكافة الطرق..

وبقليل من الجد والحيل من أولئك القائمين على كل هذه المنظومة العالمية سيتحول البشر تماما إلى كائنات كربونية لها هويتها السيبرانية.

لقد كان الواقع هو الأساس بينما العوالم الإفتراضية تبقى افتراضية، لكن مع تنامي سيطرة هذه العوالم على الواقع بشكل متسارع فإن شكل العالم القادم ما لو استمر على هذه الوتيرة سيكون مخيفا حقا لمن يعرف، وممتعا وطبيعيا بل وأكثر واقعية لضحاياه.

إنني أتوقع حروبا بين مدن سيبرانية، يتجلى فعلها على أرض الواقع..تماما كالمشاجرات الكبرى التي تحدث بين مشجعي فرق كرة القدم.فهذه المدن قد تتحول إلى هويات حقيقية لأصحابها حينها يمكن تخيل ما الذي يمكن أن يحدث.

إن العالم يتوجه إلى شكل جديد من أشكال التواجد البشري. هي الحياة في البعد الرابع بامتياز.

وإذا ما تخلينا عن كل هذا التحامل، وتعاملنا مع الأمر على أنه مجرد منظومة تواصل ومشاركة وتنامي في قدرة البشر على إيصال ما لم يكونوا قادرين على إيصاله من قبل فحينها يمكننا تقبل الأمر على أنه لا يعدو خارجا عن الواقع.

فبدايةمن قدرة الإنسان قديما على نقل خطه عبر الرسائل، ثم صوته، ثم صورته، ثم أفكاره وروسوماته وفنونه وعمله..كل ذلك عبر وسائل التواصل فحينها يمكن للعقل تفهم القضية كلها. فكل ما نراه هو تطور للكتابة ، ولا يعدو كونه تطور للكتابة، وفعلها من نقل للأفكار.

إن هذه القصيدة بكلماتها الحقيقية دون محاولة لتعريبها شعريا على مختلف أمزجة المترجمين، أو من يقرأها ، تضعنا بقوة أمام مشكلة عصرنا.

العزلة والطموح. ورغم أن فعل العنكبوت فعل حقيقي إلا أن الشاعر استنقذ منه للقصيدة شعوره بالصبر، ومحاولاته المستمرة للوصول إلى هدفه.

وبعد أن خاطب روحه ، عاد ليخاطب روحه والعنكبوت..

محاط ومنفصل، أم محاطون ومنفصلون أم محاطة ومنفصلة ! وهذا بالضبط من إشكاليات اللغة الإنجليزية..


وهذا هو كل ما يحدث في العالم اليوم، فالعالم الإفتراضي نزع منا قدرتنا على العطاء دون انتظار للرد.محاطون ومنفصلون.

نرسل الرسائل وننتظر الرد، ونضع الإعجابات وننتظر المقابل.. لقد ألغى الأعذار والكثير من المشاعر ليضغطها جميعا في عدة مشاعر الكترونية. وتحول الأمر من مجرد وسائل للتواصل إلى آداة لإصدار الأحكام على كل من يشاركنا إياه، لكنها أحكام ناقصة عوراء غير مكتملة.

لكن الأجيال تتوالي وتكبر، ولن يجدوا أمامهم إلا هذه الوسائل وما سينبثق عنها ، فهم بكل تأكيد سيكونون موجَّهين بداية على التعامل مع كل هذا العالم تبعا لهذه الأسس الإفتراضية التي هي نتاج فكر مجموعة من البشر!


وبكل صبر يرسل العنكبوت / الروح خيوطه بلا كلل ليصل إلى مبتغاه، وهذا بالضبط ما نجده من محاولات الناس في يومنا هذا من اختراع أي وسيلة ليكون له وجود بين البشر بغض النظر عن اهتمامه الحقيقي بل وبغض النظر عن إذا ما كان يعجبه حقيقة ما يفعله أم لا. فهو فقط يريد أن يصل إلى مبتغاه .

إن الشاعر وجد في العنكبوت وأفعاله ما يشابه روحه وأفعالها اللامرئية في البحث عن الثبات عن الجسر، الذي يمثل العبور والمضي بعيدا عن المكان التي هي قابعة فيه، ولا أخف من خيوط العنكبوت الحريرية الهلامية الخفيفة الشفاافة لتكون أشبه بخيوط الروح.


محمد شحاته حسين

 
 
 

Comments


  • White Facebook Icon
  • White Twitter Icon
  • White Instagram Icon
  • White YouTube Icon

جميع حقوق النشر محفوظة لدى موقع دروب

 

bottom of page