من رسائل إحسان ( لتنبت الزهور في أماكن جديدة)
- محمد شحاته حسين " محمد العريان"

- Aug 27, 2021
- 2 min read
بينما كان يسقي الحديقة، ويجمع بعض الزهور، ليزين بها حافة النافذة البيضاء التي تطل عليها في الطابق السفلي من البيت، وكان عليه أن يكتب رسالة إلى صديق شعر أنه يجب عليه أن يرسلها في أقرب وقت، فدخل إلى بيته، وخرج وفي يده قلم وحزمة من الورق، وجلس أسفل النافذة، ومد قدميه على النجيل وأخذ يكتب..
مرحبا،
عزيزي محمود لابد أنني لم أقدر لك ما قدمته لي من خدمات طوال تلك السنين الماضية في حياتي، وربما قبل أن أعرفك، وإنني بعد كل هذه الراحة تذكرتك، دعني أحكي لك عن التعب المريح، ألا تفعل شيئا.
إلا أن تهتم بحديقة بيتك الصغيرة، وتجلس فيها لقضاء أطول وقت ممكن، لتكتب ما تحب، وما يخطر لك على بال، وتقرأ وكأنك ستكون مسؤولا عن كل شيء في العالم، وتعرف في نهاية الأمر أنه قد مضى من عمرك ساعة أو ساعتين، وأنك تكبر، وأنه لا مجال لأن تفيد العالم بمعرفتك، بينما هناك شباب في كل مكان مليء بالفتوة والعنفوان في ملابس أنيقة ويحملون شهادات جيدة، حينها ستبحث عن نوع المعرفة الذي يصلح لك، النوع الذي يصلح للذين ما عاد لديهم أي شيء ليقدموه لمن حولهم، وستظن أنك كمن يتوهم العطش، مزيدا من المعرفة، فالقراءة للمراء والكتابة لحب الظهور والمشاهدة ونشر ما تكتبه ما عاد لكل هذا أي فائدة، وقد مر العمر، وبالكاد لا يعرف ما تكتبه إلا قليل من الناس، وكلهم لا يعرفك معرفة شخصية. تعرف ما الذي يحدث لذلك النوع الذي لا يعرف عنه أصحابه كل شيء، فحياته موزعة عند كل جماعة من معارفه.
حتى أنك لو سألوا عنه أحد أقاربه لقال لم أقرأ له ولم أعرف يوما عنه أنه كان كاتبا.
تلك يا محمود نهاية من يعيشون حياتهم، شبابهم، يتنقلون بين الحدائق، دون أن يصنعوا لأنفسهم حديقة خاصة بهم، ولم يصبوا اهتمامهم على مجال واحد يبرعون فيه بجدية.
ربما كانت تعوزني النصيحة، ولك أن تتخيل كيف لقارىء نهم أن تعوزه نصيحة عن ما الذي يجب عليه فعله بعد القراءة.
وأنا أشكر لك نصائحك المتواصلة، وأنك كنت دائما تنبهني ولكن لم أنتبه، إذ غرني الشباب، وكثرة الأصحاب الذين تفرقوا في الدنيا.
تخيل أنك لم تكن مستعدا لصنع أي ذكريات، ولم يكن ببالك أي شىء من هذا القبيل، ويبدو أن نصيحتك الأخيرة بألا تتوقف عن القراءة والكتابة لاقت حبا في وجداني. أتعرف بماذا صرت أفكر؟ لعل الزهور التي في الحديقة يحمل رحيقها بعض النحل ليصنع العسل، لعل النسيم يحمل طلعها لتنبت الزهور في أماكن جديدة، لعل الحديقة بقعة خضراء تعمل أمرا جيدا في الوجود لا أعرفه، وإنما أخدمها بإخلاص وحب، وكلي آمال أن يكون لي معرفة لدوري في الحياة، ويسعدني أنني عرفت بعضه.
أرجو لك حياة سعيدة، وأرجو ألا تكف عن إرسال النصح لي، فأنا أنسى، أنسى كثيرا يا محمود ما الذي يجب علي فعله حين أتعمق في عمل شيء ما يعجبني، أو أظن أنه أعجبني.
مودتي واحترامي
صديقك المخلص "إحسان"
محمد شحاته حسين




Comments