من رسائل إحسان "حدود الإنسانية"
- محمد شحاته حسين " محمد العريان"

- Sep 4, 2021
- 3 min read
Updated: Mar 21, 2022
عزيزي محمود،
بعد التحية
انتهيت للتو من تنظيف المطبخ ، فهو عندي جحيم صغير لا يمكن إهماله، ثم أخذت حماما باردا، فقد صرت لا أستحم إلا به هذه الأيام، رغم ما يحدثه الماء الساخن من هدوء للنفس وللأعصاب، لكن كما تعلم فأنا أخشى الشعور بالكسل. وكنت قد تعودت لفترات طويلة ألا أستحم إلا بالماء البارد وفي أشد أوقات الشتاء برودة، بل وعدم الإستحمام لفترات أطول منها، ذلك حين كنت في الجيش.
وبعد أن حدثت نفسي بأمور كثيرة لا أعرف ما هي، وكأن العقل ينظم معلوماته كل حين بمنأى عن تدخلي الشخصي، بينما نكتفي نحن بالشعور بأننا نفكر في اللاشىء، جائتني فكرة مستعرة، استوقفتها رغما عنها، كأني شددت حصانا جامحا كان يجري، بأنشوصة من تلك التي تظهر في أفلام رعاة البقر. وأحببت أن أكتبها إليك.
ما حدود الإنسانية؟ صحيح قمت بتغيير نوع سجائري، وأتمنى ألا يتوقف المحل الذي أشتريه منها عن جلبها، فهو الوحيد في البلدة كلها الذي يبيعها، فهي متوسطة السعر وجيدة، وتتوافق مع ذائقتي ومزاجي بشكل ممتاز، فأنت تعلم أن السجائر أنواع كثيرة مختلفة، وكل نوع له طعمه ونكهته ولا مانع من التجريب.
إن الإنسانية يا صديقي كما أعتقد نابعة من أننا نشعر بالمسؤولية، وأن لا شىء سيساعدنا إلا نحن.
لكن مهلا فأنا أؤمن بالله، لكن لا أؤمن بالذين يتوقفون عند حدود الدعاء باللسان وهم قادرون على فعل المزيد.
عرفت أن الدعاء ليس بالضرورة باللسان، أن نجلس هادئين في مكان هادىء الأضواء في زاوية منعزلة لندعو، وإن كنت أحب ذلك كثيرا.
بل و أحب في دعائي أن أدعو وكأنني طفل، فإذا أراد لعبة قال أريد لعبة، ومن خلال تفسير نفساني تعرفه ربما، فإن النطق بالأشياء جد خطير، والإقرار بالمشكلات يجعل الذهن قادرا على الإستيعاب، وكأن اللسان مفتاح القلب، نقطة الإتصال بين السرية و الجهر، الإشارة التي ينتظرها الذهن ليعمل من أجل ما طلبته بلسانك، وقبل أن تطلبه فعقلك حائر متردد في زوايا صدرك يبحث عما تريده ولا يعرف فيختار من تلقاء ترتيبه الأولى له.
لا أقول أن العقل هو الله، أو أن الخرس فقدوا القدرة على إيصال الرسالة من القلب إلى العقل.لكن أقول أن العقل من أهم ما أعطانا الله. وعجيب أن يطلب الإنسان سلاحا وفي يده السلاح- وحقيقة فإن وصفي لهذا الأمر كونه عجيبا هو من باب الوصف الكلي لا شعوري الشخصي فقليلة هي الأمور الي صارت تشعرني بالدهشة والتعجب- كالذي يبحث عن شىء وهو في يده.
لا أذم الذين لا يعرفون إلا الدعاء بألسنتهم، فهذه الدنيا كبيرة يا محمود، وليس كل ما يريده الإنسان هناك سبيل إلى تحقيقه، ولعل بطول الدعاء اللساني، يكتسب العقل القوة، ليسعى لتحقيق ما يريد.
تعرف أن هذه الأفكار قد تمثل خطورة عند الذين لا يعلمون ما أقصده، وتعرف كم هو صعب شرح هذا النوع من المقاصد.
إنني أرى الدعاء الحقيقي في أيدي العمال، في تعبهم، في عودتهم متعبين من العمل، أراه بوضوح في المدارس، في اصطفاف الطلاب صباحا استعدادا لبدء يوم جديد، أراه حين يصحح أستاذ أوراق تلاميذه، حين يشرح.
أراه يتحقق للذين لا أعرف دعاءهم، حين يوضع الأكل للبهائم في الحظائر، حين يرضع الأطفال.أراه بوضوح حين يحاول ذلك الطائر الذي لا أعرف اسمه وهو يحلق فوق النهر بصبر وترقب في دوائر جيئة وذهابا ثم ينقض فجأة غاطسا في الموج ليخرج وفي منقاره سمكة تلمع.
أراه في الجهد والكد والسعي، وأقيس صدقه بالبذل والتحمل والإصرار.
هذا هو الدعاء الذي أشد عليه في عقلي وأؤكد على جدواه.
أما الذين يدعون بلا عمل، فأولئك في نوم وحشب، وغفلة عن دنيا الوجود.
وأرى أنني قد عرفت حدود الإنسانية، أننا لا نصنع أي شىء من العدم، لكن يمكننا أن نفعل ما بوسعنا، فهو حدودنا المشتركة.
سأوافيك برسالة لاحقة تخص هذه الفكرة، فأنا لم أكتف بعد من هذه الفكرة.
وعدني أن ترسل لي الرد في أقرب فرصة.
تحيتي وتقديري
صديقك المخلص " إحسان"




Comments