من رسائل إحسان " أصل السلوك"
- محمد شحاته حسين " محمد العريان"

- Sep 6, 2021
- 3 min read
Updated: Mar 21, 2022
عزيزي محمود
بعد التحية
وصلتني رسالتك ولم أستطع حيالها إلا الإعراب عن امتناني الكبير لما جاء فيها من أفكار ورؤى.
وليس بمقدوري إلا أن أقول إن هذه هي الروح المطلوبة التي أحبها، أن نحفل سويا بما يجول في خواطرنا.
نعم إن الإنسانية لا تعم كل السلوك الإنساني، فالإنسان بمال لديه من قدرة على المعرفة والمحاكاة استطاع أن يقلد الكثير من الكائنات و الأشياء، لذا فليس كل سلوك صادر منه هو سلوك إنساني خالص، إلا إذا اعتبرنا أن كل ما يصدر عنه إنساني، وأن التقليد سمة إنسانية خالصة.
إنني أعملت ذهني كثيرا كي أصل إلى ما يمكن أن يكونه السلوك الإنساني دون تقليد، فوصلت إلى مفهوم أحب أن أشرحه لك.
إن كان الإنسان مقلدا بالفطرة، فطوال تاريخ سلوكه التقليدي لن نجد شيئا منه خالص الإنبثاق. وأننا مهما رددنا سلوكه إلى أصل، فلابد أنه سلوك مقلد أخذ سمة إنسانية من خلال قدرة الإنسان على استيعاب ما قلده.
إن الأمر يا محمود يشبه طفلا صغيرا يحاول الرسم، سيظل يرسم خطوط ودوائر بسيطة وهو يظن أنه يرسم أحد الأشخاص، وكلما كبر زادت ملكته حتى إذا صار فنانا أتى برسم دقيق مفصل.بل ويضفي عليه من تجاربه ما يريد.
إنني أقصد المعادلة الإنسانية التي ندخل فيها شتى معطيات الحياة لتخرج لنا سلوكا إنسانيا. هذا النسق الإنساني ليس هو السلوك نفسه، بل هو المنظومة التي تحدد السلوك.
تماما كالمعادلات الرياضية حين نستبدل رقما برقم، تبقى المعادلة ولكن تتغير النتائج.
إن شكل الإنسان، أن له يدان وقدمان وعينيان، إلى آخر صفاته التشريحية، له دور كبير في النتائج، كما يتأتى منا في تقليد أصوات الحيوانات والطيور، بل وتقليد أصوات بعضنا البعض.
فإذا رددنا الإنسان إلى أصله، فسنجده كالإسفنج اليابس، لا شىء معه، من ثم يتشرب كل شىء من حوله.
حتى إذا أدرك أن مصدر أصل سلوكه التقليد، فهنا تظهر الشخصية، فأي شىء يحب أن يقلد وآخر لا. و إذا ما كان الحب لا علاقة له بالإستطاعة، كأن أقول أنا لا أحب أن أكتب كلمة ما، فذلك لا يعني أنني لا يمكن أن أكتبها.
أخبرك الآن بأفضل ما وصلت إليه في هذه الفكرة.
إن الإنسان إن خالف فعله ما يحب، فذلك نتاج قرار فوق الحب، قرار الإرادة والقدرة على الإستطاعة. وإن من أجمل تجارب الحياة أن يرتدع الإنسان عن سلوك يحبه لأنه سبب له الألم أو المشاكل. فالأولى له أن يفعل ما يحب فعله، لكن النصيحة الكامنة في معرفة أن ليس كل ما نحبه يفيدنا، ذلك ما يجعله قابل للتغيير، قابل لأن يمضي أبعد في خضم التجارب، إلى حيث أن ليس كل ما يفيدنا يجب أن نفعله، إلى حيث أن ليس كل ما يسبب لنا الشقاء والألم ليس بالضرورة سيئا في هدفه.
إلى الوعي بقيم لا علاقة لها بالقيمة المحسوبة، إلى الإيثار المكتوم، إلى التضحية الصامتة، إلى العمل من أجل قضية قد لا تنجح، لكنه يؤمن بنبلها.
لقد أظهرت التجربة للإنسان مفاهيم أبعد عن مفاهيم لعبة السوق، قيما مثل النبل و العفة والقداسة و الإيثار والتضحية و الوفاء والإخلاص. لقد أظهرت الضمير يا محمود.
وأنا أكتب إليك الآن أتخيل ما لو قرأ كلماتي هذه أحد الذين لا يؤمنون إلا بالحياة الراهنة لقال إن هذا بالضبط ما يجب أن نقضي عليه، وأن هذا بالضبط هو صنع امتداد وهمي لحياة بالكاد نحاول أن نفهمها. وأن هذا استسلام كبير أمام لافهم الحياة.
ولو أمهلني إلى رسالة قادمة لعرف أن التجربة هي صانعة القيم. وأن الإنسان ليس موجودا في غياب من الموجوات، وأن هذا بالضبط هو في صميم اللعبة، أن الإنسان ليس موجودا وحده.
أعتذر عن الإطالة يا صديقي، لكنك تعلم ما يمثله هذا الموضوع من أهمية، خاصة عند الذين خلصوا إلى ضرورة التفكير بأنفسهم.
تحيتي وتقديري الفائقين
صديقك المخلص “ إحسان"
محمد شحاته حسين (محمد العريان)




Comments