top of page

ليلا في 90 خطوة

  • Writer: محمد شحاته حسين " محمد العريان"
    محمد شحاته حسين " محمد العريان"
  • Sep 20, 2020
  • 3 min read



إحسان


الجو ملتهب بالحرارة، والإضطراب.أنفاسه تتصاعد باستمرار، ولا يكاد يلتقط من الهواء سوى نفحات تبقيه كالمرجل في هذا الصيف، وهو داخل جدران غرفته، تحت مروحة تدوي بصوتها.

كان إحسان قد اشترى ساعة جديدة من مدة، بها العديد من الميزات وأهمها أنها تستطيع عد الخطى ، ولقد حاول مرارا أن يجد لها فائدة معه. فهي تخص الرياضيين غالبا، ولا يمكنه استخدامها بأريحية لمجرد أن شكلها يعجبه. كان يكره الزينة كونها للزخرفة الشكلية. فهو يؤمن بأن الزينة شيء لابد منه إن كان لابد منه. فهي كالعلاج. كثيرا ما لا تعجبه الرسوم والزخارف التي يصنعها الفنانون دون معرفة غرضها الأصلي, القاعدة التي انبثقت منها والأهداف التي خلقت من أجلها. و في نفس الوقت كان يقلقه أن تظهر بعض الزخارف فجأة على يد أناس تمرسوا في الشرور.


كثيرا ما كان يقول لأصحابه "عجيب أن الأشرار في هذا العالم يعرفون عن الأشياء أكثر من الأخيار"

لم ينسحب إحسان عن الناس فجأة. كان انسحابا داخليا. حقيقة كان يفكر في انسحاب مؤقت من ثم يعود بعده إلى الناس على حد قوله.

هكذا كان يقول لنفسه. لقد نسي ما كان عليه من قبل، ولا يكاد يعرف على ما يبدو ما هو عليه الآن.


أما الحب فهو في حياته كتذكر رائحة عطر قديم لم يعد يستخدمه، أو مشهد صامت له في الطفولة نادرا ما يصحبه الصوت. كان قد قرأ عن حب الطبيعة واستمراء مودتها. يتابع الأشجار والنهر والطيور وحركات السماء. يقول أن هناك الكثير من الطيور المهاجرة يراها ولا يعرف اسمها. ووصف منها طائرا من قبل كان يطير بجناحين كبيرين، ويخفق في هيبة محلقا في دوائر قبيل أن تمس قدماه الأرض، من ثم يطوي جناحيه معلنا الهبوط. كان يشعر وكأن هناك عش كبير لهذا الطائر به صغاره في تلك الأحراج النباتية في وسط النهر. وكثيرا ما كان يتخيل شكل هذه الصغار .


أما حبه للنساء فهو يعيش كأنه يبدأ دائما حياته من جديد. من يراه لا يكاد يحدد له عمرا. يقول أنه خاض الكثير من التجارب في أماكن وفترات متفرقة من حياته لكن ما منها أي تجربة تبقى. وبعض التجارب تنتهي ولا تترك أي آثار إلا في ذاكرته هو.

هو نفسه يشك في عمره. لكنه سمع كثيرا عن الذين شاخوا فجأة.

شعره عند الحلاق كان في فترة من الفترات يتساقط أمامه من تحت المقص كأنه خصلات من الذهب، وتارة أسود، حتى فوجيء باللون الأبيض.


كبر الفتى ولم يعد يهتم لهذه الشكليات، إلا أن صدمته كانت أكبر حين وجد أن الشيب في شعره يأتي ويذهب. حتى أنه شاهد في إحدى المرات خصلات ذهبية تتساقط من شعره تحت يد الحلاق ولم يكن يراها من سنين. ربما الشمس أحرقت شعره. وكسته بلون بني فاتح يخيل له أنه لون شعره الأصلي، لكن ماذا عن الشعر الأسود.


لم يجد أي إجابة شافية من الحلاق غير أنه أخبره أن هذا الأمر عادي، من ثم راح يتكلم عن العلاقة بين الحالة النفسية ولون الشعر إلى جانب التقلب في استخدام مستحضرات التجميل.


ولكن ماذا عن القلب الذي لا يهدأ. وتارة يزهد في كل شيء وتارة يريد كل شيء.

كان إحسان يقول أن من لا يملك شيئا كمن يملك كل شيء. وحقيقة لا نعرف شيئا لا يملك شيئا. ولا نعرف إلى أي مدى عكسية هذه العلاقة.


كان يكره أن يتحدث بالقلب الشيخ إلى حبيبته الفتاة. و يحاول كثيرا أن يتخلص من كل ما يجلب له الإحساس بأنه يتحدث بطريقة خارج المألوف المعتاد بين الناس. كان يعتقد في نفسه أنه يملك أفكارا لا يعرفها إلا هو، وكثيرا ما أصابه هذا الأمر بالعثار والتلعثم والتخبط في الآراء.

والعجيب أنهن كن يتململن من أسلوبه، إذ فجأة يدعين الجدية والمفهومية، وهو الذي كان يظن أنه يتنازل عن كثير من حقوقه في الكلام. لكن يبدو أنه كما قال أنه كان يتنازل كثيرا.

أما هي فقد اهتزت مرة أمامه وهو يمسك بيديها، كغصن يانع في الغروب تحت الشفق البرتقالي، كانت لها عينان رزينتان تنضحان بالجدية والخفة على حد سواء. وفجأة التفت حولها، وتركته وهي تهرول ممسكة بزهرة بيضاء مبتعدة لا يراها أحد. كان تظهر من بين الأشجاروهي تبتعد تخفيها شجرة وتظهرها أخرى، حتى غابت عنه. ومنذ ذلك الحين زاد حبه للغروب وللأشجار وللشفق.


يقول هي روح فتاة واحدة وكانت تحل فيها الكثير من الأسماء والأجسام. لم يحاول ولو مرة تحطيم هذه الأيقونة الروحية التي جعلت كل امرأة تحل في هذه الروح تحمل مجرد اسم مستعار. كلهن كن يحملن أسماءا مستعارة.

فجأة وبينما يتخبط في الدقائق والساعات نظر إلى ساعته، ووجد أنها عدت 90 خطوة بعد الساعة الثانية عشرة ليلا.

ترى كم خطوة في حياتي لم أعدها ولم أعرف فيما قضيتها.

وماذا عن أول خطوة قادمة، إن كانت، بعد أن أقوم من مجلسي هذا. أم أقفزها فقط أقفزها وأنا لا أفكر في أي شيء، أقصد وأنا لا أتعمد أن أفكر في شيء.

صدقني لقد قمت من مكاني ومشيتها. لقد كانت في اتجاه الشرق. عرفت ذلك بعد أن وقفت بعدها. والآن أسأل هل كان لها أي فائدة في حياتي.

أسئلة كثيرة كانت تقدح كالشرار في نيران صدره الذي لو كان جلده من زجاج لكان شعلة من نور ونار ودخان.



محمد شحاته حسين




 
 
 

Comments


  • White Facebook Icon
  • White Twitter Icon
  • White Instagram Icon
  • White YouTube Icon

جميع حقوق النشر محفوظة لدى موقع دروب

 

bottom of page