top of page

لقدتك في الحرب أوقدتني

  • Writer: محمد شحاته حسين " محمد العريان"
    محمد شحاته حسين " محمد العريان"
  • Sep 27, 2020
  • 4 min read

Updated: Oct 4, 2020


قال عنترة بن شداد العبسي :


فَإِن تَكُ أُمّي غُرابيَّةً مِنَ ابناءِ حامٍ بِها عِبتَني

فَإِنّي لَطيفٌ بِبيضِ الظُبى وَسُمرِ العَوالي إِذا جِئتَني

وَلَولا فِرارُكَ يَومَ الوَغى لَقُدتُكَ في الحَربِ أَو قُدتَني



مقدمة

لعل الشعر العربي لم تنتهي عجائبه، و إنه من الشقاء أن يظن بعض العاملين في صنوف الأدب أن الشعر الجاهلي منحول على أصحابه. وأنه نتاج تقول القصاصين و الحكايين و المتقولين لأسباب دينية وسياسية و قبلية. ولا يمكن القول بخلوص النقل الشعري من الآفات النقلية، فهو نص يحتمل ما يقع على كافة النصوص من آفات. إلا أن القول بنحلة الشعر كافة فهذا محض افتراء، ولا يمكن استخدام القرآن عليه كشاهد، فالشعر مذكور فيه، وقد كان من أهم فعاليات الحراك الأدبي في الجزيرة العربية قبل الإسلام.

فإن كان كل هذا الشعر منحول على أسماء فذلك يوجب عملا نقديا هائلا، يخول للوضاعين التماس الروح الشعرية لدى كل شاعر، و الشروع في عملية وضع نصي على غرار نسقه ونهجه وقصصه، وهذا يختلف عن عملية الوضع على اسم واحد. فالأحاديث النبوية الموضوعة كمثال هي عملية وضع على لسان شخص واحد، فذلك أسهل بكثير من وضع قصائد شعرية على ألسنة مئات الشعراء. كما أنه لا يخفى أن الحديث النبوي عادة لا يتعدى عدة عبارات، ذات مقصد تخص حادثة الوضع، ولا توجد بنية لغوية نستطيع من خلالها تبين الحديث النبوي، وإن كان من يقول أن له خصائص معلومة ودقائق يسبرها المشتغلون بصنعة الحديث، فهذا يحتاج إلى إيضاح متين، بعيدا عن التماس البيان الإعجازي وما إلى ذلك مما لا يمكن للغة الباحث تقصيها إلا بتكلف وتصنع.

أما الشعر فبنيته واضحة للسامع، له قوانينه وموازينه ثابتة ،على اختلاف مواضيعه.


و إذ أردنا التبين بين الشعر الحقيقي لشاعر و بين ما نحلوه عليه، فذلك عمل يحتاج إلى جهد كبير،وعملية تتبع تاريخية صعبة ،ولا يمكن بحال تعطيل نص شعري حتى نتبين هل هو لشاعره أم لا، فذلك إجحاف ومطل لا وجاهة له.


مدخل


النص أعلاه يرجع إلى شاعر هو من فحول الشعر العربي الفارس بالغ الأثر في الأدب العربي عنترة بن شداد العبسي.


ولا محل لنا للدخول في حياته إلا من خلال النص الذي نحن بصدده .


النص


ففي هذا النص يمارس الشاعر نوعا من إعادة التمايز إلى واقعها الذي هو فيه، و إن كانت أمه غرابية أي سوداء ومن بنات حام، و يعاب بها قي قبيلته وغيرها على ألسنة أعدائه، فإن لونه الذي هو من لونها يقر به، إلا أن له تمايز لوني آخر يكتسبه من لون السيوف المعدنية البيضاء و سمرة الرماح، وهذا هو ميدان التمايز الحقيقي عند الشاعر، إلا أنه وفي البيت الأخير ذهب بالمعنى إلى مقاصد كثيرة متنوعة.


فقد عادل بين بياض لون عدوه وبين بياضه الذي اكتسبه، كما أوضحنا فإن تم التعادل على هذا الأساس، فإن الفيصل هو ميدان الوغى، حيث ينتصر الشاعر أوعدوه .ولم يقر شاعرنا بالنصر لنفسه بل جعله مرهونا باللقاء، فإما هو أو عدوه- لقدتك في الحرب أو قدتني. ولم يفخر بلونه في هذا النص، ولم يفخر بنصر لم يحققه بعد.

والمعنى كله إجمالا أن الشاعر رأى أن التمايز اللوني الذي يتقدم به عدوه عليه ليس هو المنوط بالحدث، إنما الحدث كله معركة، كانت بينهما وفر منها عدوه. ولولا ذلك لجرت فيها الأمور مجراها الطبيعي، إما الهزيمة و إما النصر.

وإن كان الشاعر رأى أن بياضه الذي هو نتاج لبسه السلاح لا يتميز عن بياض بشرة عدوه، فذلك يشير ضمنا إلى ملازمة شاعرنا لبسه لسلاحه، لكثرة معاركه، مما جعل ملبسه السلاح هو لونه الطبيعي.

فهو عادة ما يبدو أبيض اللون من لزوم لبسه سلاحه. و هذا يردنا إلى إشارته لمعايرة عدوه له بلون أمه، ولم يتطرق إلى لونه هو. رغم أنه هو المقصود من هجاء لون الأم لا أمه.

وهذا الإستغراق الشعوري وكأن الشاعر ينفي عنه لون أمه الغرابية لازم المعاني، حتى وصل إلى قوله العادل الذي لو قيس على ميزان الحماسة لكان أبلغ من إقراره لنفسه بنصر في معركة لم تكتمل.

وقد يوحي المعنى بقوة عدو شاعرنا، الذي قد يقود عنترة الفخور لا أن يقاد.وإن كان السلاح الذي أعطى لعنترة لونا أبيضا وسمرة محببة توحي بالهيبة والفخار إلا أنه رجع سريعا بعد هذه الإشارة عن الإستغراق في تعديد ميزات السلاح . والغريب أن قوله (وإني لطيف) قد تقرأ بمعنيين مختلفين دون الإضرار بوزن البيت. لطيف أي هو لطيف خفيف رغم ما يحمله من سلاح مما يدل على قوة بنيانه الجسمي الذي لا يوهنه حمل ما ثقل من السلاح ولا طول مدة حمله. أو أنه طيف واللام لام توكيد إستدراكية، بها إنتقالية من حال إلى حال، فهو وإن كان سواد اللون يلقي بالغلظة والقتامة فإن بياض سيفه وسماررمحه جعلتاه يبدو كالطيف خفيفا شفافا لا غلظة فيه ولا ثقل.

من ثم دخل إلى البيت الثالث مخاطبا عدوه، عادلا عنترة عن الإستغراق في الفخر، متخذا مسارا منطقيا للتفكير في حدث لم يحدث، فإما النصر و إما الهزيمة. وهذا لم نعتده كثيرا في شعر عنترة. وفيه تضمين بشدة الموقف، وأن الأهم فيه هو إثبات أصالة اكتساب اللون، وأن لون البشرة لا يستوي ولون السلاح. إلا أن ذكره لفرار عدوه كان أجدر بعنترة أن يقول ولو ملكتك لهزمتك، لكن عنترة لم يفعل. وهذا شعور بعيد المعنى يوحي بالمزج الرائق بين الجدية والخيال و المنطق.

فهو في محل الزود عن أمه لا الزود عن نفسه. فنفسه في هذا الموقف لا تهم إما يقود أو يقاد. وقد نشعر بانكسار نفسية شاعرنا تجاه هجاء عدوه أمه، مما ألزمه البعد عن الفخر، والتزام الإنضباط تجاه نتائج المعركة.

ولن أكون مبعدا إن قلت أن فيها حزن بعيد، وعتاب لعدوه ورده الهجاء رد الكرام، إذ لم يفخر عليه كما فعل.

و قلما نجد في الشعر هذا النوع من رد الهجاء بالعتاب خاصة على لسان فارس له معاركه. وكأنه طلب بين فارس لفارس بإيقاف لدوائرالهجاء، هذه الدوائر التي طالت أمه، وعدم المضي فيه، إذ صدرمن عدو شاعرنا ما لم يكن بحسبان شاعرنا أن يصدر منه، أو أن شاعرنا قد اعتاد هذا النوع من الهجاء، فالتزم طريق القطع والمنطقية لا طريق التهاجي و الخيال. أو أن المقصود في الأبيات شخص يعز على عنترة أن يأتي مثله بهذا الكلام.


ثلاثة أبيات تعود إلى عنترة بن شداد العبسي مثلت صورة كاملة للإستغراق النفسي في نفي كينونة أصل اللون وإعادة إثبات لمصادر جديدة لهذه الكينونة. صاحبها شعور متكامل بالموقف تولد عنه محاجة شعرية هي من أبلغ ما تكون في نفس المتذوق للشعر.


محمد شحاته حسين


 
 
 

Comments


  • White Facebook Icon
  • White Twitter Icon
  • White Instagram Icon
  • White YouTube Icon

جميع حقوق النشر محفوظة لدى موقع دروب

 

bottom of page