كيف تسقط الطاغية 7
- محمد شحاته حسين " محمد العريان"

- Oct 12, 2020
- 3 min read
إن إعادة الذكريات السيئة القديمة إلى الحضور ، أشبه باستضافتك لضيف ثقيل يفاجئك بمجموعة من الأقارب .
فالأحداث الوهمية هي أقرب أقارب الذكريات السيئة. وعادة لا تزورنا وحدها. ففي كل مرة نستسلم فيها للذكريات السيئة، خاصة غير واضحة المعالم منها، تلك التي تسيطر عليها التحليلات الظنية، يحدث لنا ما يشبه عملية لصق لفيروس ، هذا الفيروس مهما كان ضعيفا فلديه قدر ة على إحداث خلل ما. .
الذاكر ة الزائفة
كثيرا عند استعراضنا لمواقف ماضية، نستطيع أن نكتب عن الموقف الوحيد آلاف المقالات والقصائد والتحليلات. فهل تعتقد أن قدرتنا العقلية إن اعتقدت بكل هذا الضخ التحليلي ستكون قادرة على تصور الحدث الأصلي بسيطا كما
كان؟
الحدث له خاصية تشبه التمايع والتبدد والتشتت.كلما ابتعدنا عنه يكبر، لكن على حساب الحقيقة.
فالحقيقة المركزة تشبه جسما تاما لا يحتاج إلى شيء وحين نفككها نحصل على أجزاء حرة قابلة للإرتباط بمكونات جديدة، أحداق وهمية، موجودة في عقولنا، وتستمدها من حولنا على الدوام.
لكن لماذا تحضرنا بعض الأفكار دون غيرها، ولماذا نتذكر أحيانا ما ليس في الحسبان أن نتذكره.
إن ارتباط الأحداث بالحواس هو الذي يمكنها من الحضور . فهناك علاقات تلقائية تكونت بينها وبين الألوان، الأصوات، الرائحة، الإنتظار.
هناك مؤثرات تساعد على استحضار الحدث.
إن قوة الماضي طاغية بحق، فقد حدثت بالفعل، لقد خرجت إلى الوجود، وليست كالحاضر الذي مازال وليدا ولا كالمستقبل الذي لم يأت بعد.إن كل جزء من الماضي وكل حدث يحب دائما أم يتسيد مرحلة التأسيس للحظة القادمة.
لذا فهو دائما ما يتحين فرصة الحضور إلى ذهن الإهتمام، إلى معمل الوقت، الذي يجري فيه صناعة الحاضر والتحضير للمستقبل.
يمكننا أن نتصور الماضي ككائنات صغيرة مشاغبة محبوسة، لها صوت عال وحركة مستمرة، وتخيل لو انطلقت كل هذه الكائنات من محبسها فجأة في معمل الوقت.
ستعبث بكل الأجهزة، قد تقتل الصانع.
و إذا ما كان هناك لغة يمكن لهذه الأحداث أن نمثلها بها.فلنا أن نتخيل ملايين كرات الإيموشنات بمشاعر وأحجام مختلفة.
هذا يبتسم، وهذا يبكي، وهذا بليد بلا ملامح.
ولا نحصل من كل هؤلاء إلا على إيموشن جديد ، هو إيموشن الحاضر،.
إن محصلة شعورنا بالحاضر هي مجموع كل مشاعرنا الماضية.
تلك المشاعر التي تستطيع الوصول إلى بؤرة الذهن لتظهر أمامنا.
فتر مكوثها أمامنا، ترتيب ظهور الإيموشن بين الإيموشنات، درجة وضوحه.
إن هناك سر، هو ليس في الحقيقة سر، إنما هو النداء، آلة استدعاء الإيموشنات إلى الحضور. فهذه الإيموشنات البلهاء لا قدرة لها على القفز إلى بؤرة الحدث إلا من خلال نداء ما.
هذا النداء لعله رائحة، صوت، لون.
فلو افترضنا أننا نرى لونا أحمر, و كان أهم حدث في حياة أحدنا يخص هذا اللون، هو لون الدماء التي سالت أمامه في معركة ما، فحينها ستقفز إلى البؤرة فورا حزمة كاملة من الإيموشنات خاصة بالحزن والأسى و الإبتسامات الحزينة. إلى آخر ما شعر به الإنسان وقتها.
و لا يمكن أن نعيدها إلى صندوقها إلا من خلال الإنصراف عن التفكير في اللون الأحمر.
لكن مهلا، هل كل انطباعاتنا هي نتاج تجاربنا نحن؟
بالطبع لا، إن كثير من انطباعاتنا مكتسبة من انطباعات الآخرين، وهذا ما يمكن تسميته بالمشاركة الوجدانية، وعادة ما تكون هذه المشاركة في البدء تقمصية بحتة ولا علاقة لها بمشاعرنا الخاصة.
قد يبكي الطفل لأنه يرى أمه تبكي، ولا يعلم السبب.
ماذا لو فجأة كما نرى في قصص الأفلام، امرأة من بيئة فقيرة واعتادت أكل طعام بعينه، ولما انتقلت إلى طبقة ثرية تغير انطباعها تجاه هذا الطعام. لقد أبدت الإشمئزاز أمام الحاضرين حين جاءت سيرته.
لقد كانت تحب هذا الأكل، ولكنها لما علمت أن هذا الأكل لا يليق بالأثرياء، قررت تقمص ابداء الشعور بالإشمئزاز، هي تشاركهم على المستوى الظاهري الشعوري. لكن ما الذي يحدث في أعماق تفكيرها.
هناك صراع بين حزمتين من الشعور. بين حزمة الرضا والإنبساطية وبين حزمة الإعراض و الإشمئزاز.
لقد تلقت الفكرة الطاغية انذارا بوجود تغير، هناك كذبة احتيالية تقوم به صاحبة الفكرة.
قلنا من قبل أن الفكرة الطاغية ليست دائما ولا كلها سيئة. هي تعتمد في وجودها على كثير من الأفكار الجيدة. كما أنها سيئة لا يعني أنها تسمح بأن يحتال أحدهم عليها دون أن تعرف السبب. فغالبية السارقين لا يحبون أن تتم سرقتهم.
عند انصراف الإيموشن يترك جزءا منه على شاشة الذهن. تماما كصورة عكسية مشعة تبهت بالزمن، تشبه اصطدام الإلكترون تاركا وراءه أثرا.
هذا الأثر لا يستطيع الذهن الثنائي الأبعاد أن يفرق بينه وبين الإيموشن الأصلي. تماما كصورة المسيح على الكفن الشهير.
ومشكلة الإيموشنات الخاصة بالماضي أنها تتفاعل في بيئتها فيما بينها. يحدث بينها كافة صور التفاعل التمثيلي.
لذا من الصعب أن نجد أحدها مازال على حاله تماما. لذا تتضخم بعض الذكريات وتتمضحل أخرى.
الإيموشن القوي
أو الذكرى الأقوى.هي نتاج وجودنا القهري. وأقصد بالوجود القهري كل ما يدور من حولنا من معطيات لا يمكن لنا أن نتحكم فيها. كحركات الشمس والقمر والنجوم. كظهزر بطة سابحة فجأة على صفحة النهر أثناء كتابة السطور.
فتسلسل أحداث بعينها بإرادتنا و بما يجري حولنا هو الذي يديل السلطة بين الذكريات.
لذا فإرادتنا و المكان الذي نحن فيه من أهم أدوات صنع وعينا الجديد.
محمد شحاته حسين
يستحدث..





Comments