صبي قهوة في السلطة
- محمد شحاته حسين " محمد العريان"

- Aug 4, 2022
- 4 min read
في مساء حاررطب، وكالعادة حين ينطلق الناس إلى المقاهى بعد العصر، كنت منطلقا أنا وصاحبي لكن قبيل الغروب بقليل، لنجلس على المقهى اليومي المعتاد على شارع البحر. هكذا نسمي النيل عندنا بحرا.
والحقيقة أن لا قيمة للمقهى في ذاته سوى أنه على شارع البحر، حيث بيوتنا وشوارعنا قبل هذا المقهى وغيره وقبل أن يسكن الشارع عشرات الغرباء عنه.
كان سيد صبي القهوة قد بلغ من العمر 19 عاما، وكعادة هؤلاء تهرب من التعليم أولا من ثم تهرب من الخدمة العسكرية، فالمقهى الصغير حياته ولا يكاد يكون له بيتا إلا في الشارع في جوار "النصبة" الصغيرة التي تكررت سرقتها منه أثناء غفلته. فقرر أن ينام بعين واحدة على حد وصفه.
ولشارع البحر ومقاهيه وضع مختلف طوال السنة عن مواقيت الأعياد والمناسبات والتي أهمها مولد لأحد الأولياء بالبلدة كما يظنه الناس. ففي أيام المولد يقصد البلدة أناس من من جميع أنحاء الجمهورية وتكون مزدحمة وكأنها بلدة صينية.
وفي تلك الأوقات تعود مسعود الأخ الأكبر لسيد أن يأتي لسيد بعمالة تساعدة في المقهى المزدحم لتوزيع الطلبات ومحاسبة الزبائن.
وكان من بينهم صبي اسمه صابر، كان يختفي بالسنتين والثلاثة ولا يكاد يظهر إلا في أيام المولد. وكنا في أيام المولد حيث بالكاد يجد الإنسان لنفسه كرسيا على مقهى في تلك الشوارع. ولأننا أصحاب مكان كما يُطلق على الزبائن الدائمين خُلقت لنا الكراسي خلقا.
وطلبت قهوة.
جلست أنا وصاحبي الذي لا يشرب القهوة بل يفضل الشاي أو اليانسون، لنشاهد الناس في المولد بملابسهم المختلفة وأوضاعهم الغريبة عنا، ونتسائل ككل مرة ما الهدف من كل هذا ولماذا وكيف يجتمعون، ونعرف الإجابات لكننا نكرر نفس الأسئلة لعلنا نصل إلى إجابات أعمق وفي نفس الوقت فإننا نضيع الوقت في انتظار بقية أصحابنا.
وعادة لا مزاج لي ثابت في شرب القهوة، فأحيانا أشربها سادة أو زيادة ، وهكذا متنقلا بين أنواع البن الغامق والفاتح والمحوج والسادة وكذلك درجات التحلية بالسكر. على حسب ما أستشعر أني بحاجة إليه.
وجاء سيد بفنجان القهوة، كان مضبوطا كما طلبته، ولكنه مختلف عن كل مرة كنت أشرب فيه القهوة في هذا المكان.
ووجدت نفسي أسأل سيد " يا سيد، من صنع هذه القهوة؟"
" صابر"
" وما سر حلاوة قهوة صابر؟"
فامتعض بوجهه ومكر بعينيه، وهو ينظر لي نظرة حاقدة، وقال : وهل هذه قهوة ؟ إنه فشل ولا يعرف كيف يصنعها، جاءت معه صدفة يا باشمهندس.
فابتسمت، وقلت له "لكنها قهوة ممتازة، ولم أتذوق مثلها عندك من قبل، هل غيرت نوع البن؟ ثم إذا ما كان فشلا فلماذا جعلته يصنعها لي وأنا زبون هذا المكان؟ أم غرك الزحام أيام المولد؟"
فتغير وجهه وكأني صفعته، ولف برقبته الثخينة ملتفتا بعيدا، وكأنه يمثل الغضب وهو يزفر، وقال " جيد أنها أعجبتك، أي خدمة يا باشمهندس"
لقد كان ينظر في اتجاه صابر، لقد نظرت إلى حيث كان ينظر، كان صابر واقفا بين بعض الزبائن يحاورهم حول الطلبات والحساب.
فقلت له" عليك أن تتعلم منه؟"
فقال بصوت منتهر "ممن؟"
" صابر، تتعلم منه كيف تصنع قهوة كالتي صنعها، قبل أن يغيب عنك بالسنين كما يفعل"
فنظرإلي وقال بصوت خفيض ملؤه التهكم ، وهو يميل بصدره إلى كرسي بيني وبينه، وقد وضع يده عليه" أنا أتعلم من هذا؟" وأشار بإصبعه تجاه صابر البعيد.
فقلت : ولم لا؟
- أنا صاحب المقهى يا باشمهندس، وأعمل في هذا الشغل مذ كنت طفلا، قبل أن يعرف هذا ما القهوة أصلا.
- تعلم منه وحسب، ولا تشعرني أنه موضوع صعب، لا مانع من أن تتعلم مهما كنت.
فسكت وهو ينظر إلى مقلبا عينيه في وجهي، يستطلع تعبيراتي، وانصرف وهو يقول " حاضر يا باشمهندس"
ومر الوقت، وأنا جالس مع صاحبي، وناديت سيد: يا سيد، أريد فنجان قهوة مضبوط ، وكوب شاي، ولكن اسمع اجعل صابر من يصنع القهوة.
فأتى إلي رغم أني متأكد من أنه سمع ما قلت ، ومال إلى وقال "نعم يا باشمهندس؟"
فأعدت عليه ما قلت.
فنظر إلي وقد فغر فاه، وكأنه لا يجد هواءا يكفيه ويريد كل هواء الشارع، وقال وقد بدا صدره كبالون سينفجر: حاضر.
وجاء صابر هذه المرة بنفسه وهو يحمل القهوة وانصرف.
لم يكن طعمها كالفنجان السابق، فناديت سيد، وقلت : ما بال هذه القهوة ليست كسابقتها؟
فقال وهو يضحك وقد لمعت عيناه في الأضواء الملونة المنتشرة في كل الشارع: قلت لك يا باشمهندس إنه لا يعرف شيئا وبالحظ صنع لك قهوة جيدة في المرة السابقة، ولا أعرف أصلا كيف أعجبتك تلك أيضا!
ومر الوقت، وكان الظلام قد لف المكان، وطلبت فنجانا ثالثا ، وقلت : واجعل صابر من يصنعه. فابتسم وقال " ألم تتب يا باشمهندس؟ حاضر"، ولكن هذه المرة صبرت قليلا، ثم قلت لصاحبي: الآن سأفهم ما يدور.
وانطلقت مسرعا في اتجاه البوفيه ، وقد وجدت ما ظننته. كان سيد هو من يصنع القهوة بنفسه، وضبطته وهو يقوم بتقليبها في كنكة النحاس.
فلما رآني بهت ونظر إلي بعينين فارغتين ثم نظر إلى صابر وآخر كان يقف معهما، ودون تفكير طويل قلت : كم حسابك؟
فانفجر صارخا وهو ممسك بالكنكة النحاسية وقال " أنت تشربها دائما من يدي، فلم هذه المرة؟! هل قصرت معك؟ هل صنعت لك قهوة سيئة من قبل؟"
ولم يعني لي ما قال بل كنت مستمرا في التأكد مما أشك به، فقلت" يا صابر، من صنع الفنجان السابق؟"
فارتبك، وقال "هو يا باشمهندس، وقال لي اذهب بها إليه فقهوتك لم تعجبه، ولا تتكلم معه فهو غاضب"
حينها أيقنت أني أقف أمام طاغية تقليدي قذر. لا أعلم أين تعلم هذه الخطط القذرة ولا كيف هداه تفكيره إلى هذه الأفعال ، ولكنه جعلني أشعر بالرعب للحظة.
وعدت مسرعا إلى صاحبي، وقلت وأنا أجمع حاجياتي: هيا بنا من هذا المكان القذر. وحكيت له ماحدث، ونحن منطلقين بين الزحام وسط الضجيج وصوت الناس والطبل والمزامير.
فقال: كيف يخرج كل هذا الشر من هذا التافه؟
فقلت : وكم شخص في السلطة مثله، إن هذا التافه لا سلطة له، و فعل كل هذا، فكم جاهل عنيد متغطرس مثله في السلطة؟
محمد شحاته حسين " محمد العريان"
مصر /2022




Comments