شرح قوله تعالى ( ولما أن جاءت رسلنا)
- محمد شحاته حسين " محمد العريان"

- Jan 3, 2021
- 5 min read
Updated: Jan 4, 2021
رأينا شرح معنى (أن) في القرآن في قوله (ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين)
لما لذلك الشرح من توضيح لما غاب عن (إعراب الأعراب) وتفهمهم للقرآن بذوق مغاير للغته التي قعدوا لها من القواعد ما يخفي من أسرارها أكثر مما يظهر. ولما رأيناه من وجوب كتابة بعض ما عرفناه بعد أن قرأنا وسمعنا من الشروحات ما قصر عن الفهم والخبرة و إن كانت شروحات متأصلة في الحفظ و النقل بلا معنى. ولم نتقصد المقال إلا أثناء قراءة القرآن فبحثنا عن معنى قوله (أن جاءت) فلم نجد إلا أقوالا لا علاقة لها بها لا من قريب ولا من بعيد.
نقول
في السورة الأولى سورة هود تتابعت الأحداث فكان المجيء ولازال لوط لا علم له بماهيتهم ولما جاءوه أخبروه بأمرهم.
وفي الثانية سورة العنكبوت جاءت (أن) تفيد الإسترخاء أن هذه الآية بها أكثر من خبر.
فالخبر الأول مجيء الرسل والخبر الثاني إخبارهم إياه سبب مجيئهم.
فنرى في سورة هود لوطا يذب عن ضيفه ولا يعلم أنهم رسل ربه فيتعرض لقومه. حتى أخبره الرسل بسبب مجيئهم إليه.
أما في سورة العنكبوت فالآية جاءت بخبرين ولو حذفت (أن) لظهر لنا أن لوطا ما سيء بالرسل وضاق بهم ذرعا وحسب إنما و سيء بإخبارهم إياه أنهم منجوه و أهله إلا امرأته كانت من الغابرين

وفي سورة هود جاء السرد مبتدءا بقوله (ولقد) ولذلك حكمة نسرد منها على قدر.
بدأت الأحداث بذكر أخبار النبيين في سورة هود ابتداءا بنوح بقوله (ولقد أرسلنا نوحا) ثم ذكر الأنبياء بقوله (و إلى) . قوله (و إلى عاد..) و قوله (وإلى ثمود..) حتى وصل إلى خبر الرسل مع إبراهيم فقال (ولقد جاءت رسلنا). وتلك خصيصة للرسل مشابهة لنوح ليست لقصة هود ولا صالح ولذلك حكمة ليس مقامها هنا. ثم عاد القص بالقول (وإلى مدين أخاهم شعيبا)
فالقصة في سورة هود مختصة بالرسل وما بها من بشرى لإبراهيم و نجاة للنبي لوط وابتدأت بذكر مجيء الرسل إلى إبراهيم ولم تذكر قصة إبراهيم مع قومه. إنما بدأ ظهور خبر نجاة لوط في الآية بعد ذكر خبر مجيء الرسل إلى إبراهيم بالبشرى.
وفي سورة العنكبوت قد كانت الآيات في سورة العنكبوت تقص قصة إبراهيم مع قومه وما حدث لهم بينهم وكيف أن لوطا كان من الذين آمنوا مع إبراهيم. ثم قصت الآيات خبر دعوة لوط قومه وجاءت على خبر الرسل بداية من مجيئهم إلى إبراهيم. حتى جاءوا لوطا بالخبر.
فالقصة في سورة هود مختصة بمجيء الرسل و القصة في سورة العنكبوت مختصة بذكر خبر إبراهيم مع قومه ودعوته لهم ونجاته منهم وقصة لوط مع قومه وخبره لهم ونجاته منهم
فنخلص تقريبيا إلى أن القصة في سورة هود هي قصة مجيء الرسل. وفي سورة العنبكوت قصة دعوة النبيين.
ودليلنا قوله في بدء القص (ولقد جاءت رسلنا) في سورة هود.
أما في سورة العنكبوت بدأ القص بقوله (و إبراهيم إذ قال لقومه) ثم قوله (ولوطا إذ قال لقومه).
و يظهر لنا أن القصص في سورة هود مهتم بذكر مصائر الأقوام التي كذبت الرسل ودليلنا القصص نفسه وما جاء فيه و قوله (ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط عنكم ببعيد) فناسب ذكر هذا الترهيب بسوء المصير ماجاء في السورة من أخبار مصائر تلك الأقوام.
ودليلنا قوله في نفس السورة (ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد)
أما في سورة العنكبوت فمهتمة بذكر دعوة هؤلاء النبيين تفصيلا عما جاء في سورة هود.
ففي سورة هود نجد الجدال مفصلا بين الأنبياء و أقوامهم دعوة وردا أما في سورة العنكبوت فجاءت الأخبار عن الجدال مجملة.
نخلص إلى أن كلمة (جاءت) في سورة العنبكوت مرتين. كلها في وسط سرد قصة لوط.
(ولما جاءت رسلنا إبراهيم) و ( ولما أن جاءت رسلنا لوطا). فناسب أن يستمر السرد بقوله (أن) فالقصة متصلة غير منفصلة.
فكان حرف (ان) عمله كناقلة للحديث غاص في الآية الإبراهيمية واستخرج منها خبر الرسل و ألقى به في الآية اللوطية. وهذا أسلوب دقيق نتعلمه ونقره. فكان من الممكن أن يكون الرسل قد انقسموا إلى فريقين فريق ذهب إلى إبراهيم وفريق ذهب إلى لوط. و لهم رئاسة وغير ذلك مما يشتبه من المعاني.
كما أن حرف (أن) أفاد سرعة حدوث الوقائع بين الآيتين. كذا أفاد التراخي داخل الآية نفسها. و أن بها سرد غير مذكور.
فنخلص إلى أن حرف (أن) يفيد السرعة من خبر سبقه و التراخي في خبره نفسه.
فالسرعة بين خبرين هو في آخرهما والتراخي في الخبر الثاني نفسه الذي هو بها.
ودليلنا من سورة الحجر قوله ( فلما جاء آل لوط المرسلون). فبدأت تذكر الآيات بعد ذلك من حوار دار بين لوط والمرسلين.
ودليلنا من سورة يوسف قوله ( فلما أن جاء البشير).
وهذه لها وقفة
قال (فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون) فالقائل هو يعقوب. وكما سبق وبينا من خصيصة (أن).أن البشير لما أن جاء إلى يعقوب لم يلق عليه القميص من فوره إنما دار بينهم حوار غير مذكور.
كذا وضح أن هناك خبر اعتراضي في الخبر الكلي. قوله( فارتد بصيرا) ولو قال (فلما جاء البشير ألقاه على وجهه..) لتغير المعنى كله. لظهر لنا أن الخبر لم يذكر إلا ليقول يعقوب قوله( ألم أقل لكم..) و ما لذلك أتى البشير إنما البشير سببه أن يرتد يعقوب بصيرا من ثم يترتب على ذلك قوله ( ألم أقل لكم..) و أفاد حرف (أن) أن هناك خبر سابق للخبر الذي هو به. فلو حذفنا (أن) واختفى وظيفته كناقلة خبرية لظهر لنا أمر آخر أن البشير ألقى يعقوب على وجهه فارتد لذلك بصيرا. فحرف (أن) استخرج لنا القميص من الآيات السابقة. كما أنه ليس من عمل البشير أن يرتد يعقوب بصيرا إنما عمله فقط أن يلقي القميص على وجهه و ليس له شأن بما يترتب على ذلك يعود البصر أو لا يعود. فظهرت عبارة(فارتد بصيرا) خبرا اعتراضيا في الخبر العام.
و إذ ذكرنا بعض ما علمنا نقول.
أن قوله (ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك و أهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين) فلو حذفنا (أن) لصار المعنى أن الرسل من مهمتهم إذ جاءوا قولهم (لا تخف ولا تحزن إنا منجوك..) لكن بوجود حرف (أن) ما قالوها إلا لما رأوا حاله من سيئة وضيق ذرع. لكن حرف (ان) استخرج لنا أن هؤلاء الرسل جاءوا إليه بهمهة أصلية (لينجوه). كما أن هناك الخبر الإعتراضي الخاص بحرف (أن) كما ذكرنا وهو (لا تخف ولا تحزن) فليس هذا القول الذي من أجله جاءوا.
فنخلص إلى أن حرف (أن)
يفيد وجود خبر اعتراضي غير أصيل في الخبر العام إنما مستدرك.
ويفيد أن الخبر الحالي الذي هو به هو خبر مبني على خبر سابق له.
ويفيد التراخي بين الفعل وما بعده.
فقد سيء لوط بالرسل وضاق بهم ذرعا قبيل علمه بماهيتهم وذلك يتطلب وقتا يظهر لنا فيه ضيق الذرع وقلة الحيلة.
و نخلص إلى أن لحرف (أن) خبر محذوف في سورة العنكبوت لم يذكر في الآيات صراحة إنما ذكر ضمنيا .
فحرف (أن) لابد له من خبر يعنيه كقوله في سورة يوسف (فلما أن جاء البشير) كان الخبر (ألقاه على وجهه) بينما في سورة العنكبوت قال (وقالوا لا تخف ولا تحزن) فلم يقل (قالوا لا تخف ولا تحزن) فأفادت (الواو) عدم ذكر السبب الذي من أجله جاءوا بعد. حتى تتابعت الآيات وصولا إلى قولهم (إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون)
* معنى هام
قولهم (أهل هذه القرية) ولم يقولوا هذه القرية. وهذا يناسب أن يكون منها القرية ما يبقى. ولقد وضح لنا ذلك في الآيات أن ترك منها آية. ولو قالوا (إنا منزلون على هذه القرية..) لما بقي منها شيء إلا وأصابوه وما تركوا منها شيئا ليبقى آية بينة. وتلك لها معانى آخرى ليس مكانها هنا.
وبتتابع الآيات لا نجد خبرا لحرف (أن) حتى وصلنا إلى قوله (ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون) فلم يذكر ما حدث لهم في هذه الآيات إنما اكتفى بذكر ما ترتب ولم يذكر الفعل . فتقدير الخبر المحذوف معناه (فدمرناها/ فخربناها/ ففعلنا بها..) لكنه انتقل إلى القول مباشرة (ولقد تركنا منها آية..) أي أن الرجز قد نزل على أهل القرية وحدث بهم ما حدث . وهذا الأسلوب مختص بقوله (ولقد). فعذاب الله لم يرجع عنهم. فظهرأن خبر (ان) محذوف وحده لغرض معنوي مشتمل عليه قوله (ولقد تركنا منها..).
وللآيات السابقات وما بها من معاني من حرف( أن) ما ليس لمقالنا به مكان . و لنا فيه قول يطول. هذا وقد ذكرنا من خبر حرف (أن) من خصائصه المعنوية أما خصائصه الحسية فذلك أمر آخر ليس محله هنا.
شرح واستنبط هذه المعاني (محمد شحاته حسين) ولنا الحق فيما كتبناه لم يسبقنا إلى ذلك كتاب. ولنا فيها أقوال لاحقة نذكرها فيما سيلحق من مقالات
محمد شحاته حسين
ارتفع وشاهد
مصر 2021



Comments