top of page

جريمة قتل في سينما سيئة

  • Writer: محمد شحاته حسين " محمد العريان"
    محمد شحاته حسين " محمد العريان"
  • Aug 12, 2021
  • 4 min read

جلس محفوظ على أريكة وثيرة، وسرعان ما تقوقع وهو يرتعد من شد التوتر، كان جسمه باردا كالثلج، ورغم ذلك كان يتصبب عرقا كأنه في حمام ساخن، كان أشبه بمن هاجمته الحمى بلا شفقة.


كانت الساعة الثانية ليلا، وكات محفوظ في نوم عميق، استيقظ معه في ظهر اليوم التالي معافى، وهو يشعر بسعادة الشفاء، وأول ما دار بذهنه حتى قبل أن يفتح عينيه، ما حدث معه ليلة البارحة.


الساعة الثامنة كان محفوظ يحيي آخر من انصرف من زملائه في المقهى. و بعد أن ودع عبدالكريم جارسون المقهى. قرر الذهاب إلى البيت. لكن الوقت مازال مبكرا، ولولا اعتذاره من زملائه عن حضور عرس أخت صديق لهم، لكان سيسهر معهم، أما الآن وفي هذا التوقيت فلا شيء سيفعله في البيت سوى الجلوس على الإنترنت أو مشاهدة التلفزيون، كما أنه ما من أحد بالبيت فكلهم قد ذهبوا إلى المصيف، أبوه وأمه، وإخوته: أحمد و عبدالمحسن و زينب.


فقرر الذهاب إلى السينما، وحده، ولم تكن تلك المرة الأولى، فقد ذهب وحده مرارا من قبل، وكان يستطيع أن يفعل ذلك بلا حاجة إلى صحبة. لكن قبل أن يذهب مر على محل يبيع أدوات صيد بري، ونادرا ما كان يجد هذا المحل مفتوحا، وأعجبته الخناجر الموجودة والتي كانت بأحجام وأشكال مختلفة وكأنها بجودة حقيقية كتلك التي يراها في الأفلام. وأعجبه واحدا منها، فقرر أن يشتريه رغم سعره المرتفع.

و حمله في حقيبة بلاستيكية، إلا أنه سريعا ما طرأ بباله فكرة: إن السير بهذا الخنجر، يعتبر سيرا بسلاح غير مرخص، ولا يمكن أن يدخل به إلى السينما، فلو حدث وقام أحدهم هناك بتفتيشه لصارت مشكلة.

لكن وهو نفسه لا يعلم لماذا، انحنى إلى زاوية صغيرة مظلمة تحت سلم خارجي لمبنى على طراز الثمانينات، وأخرج الخنجر ووضعه في جنبه بين جسمه والبنطلون، تحت الحزام مباشرة.


كان فيلما هادئا، ولا يتذكر حتى أن اسمه قد أعجبه، لكنه دخل السينما على كل حال دون مشاكل.

وبدأ العرض. كان يجلس في كرسيه و إلى جواره شخص لم ينتبه حتى إلى ملامحه، وكان بقية الصف خاليا.

كان الفيلم يحكي قصة حب، وفي مشهد قام فيه البطل بتقبيل البطلة بشدة د، أخرج محفوظ الخنجر وذبح الرجل إلى جواره. لقد ذبحه بحرفية، وكأنه عمله المعتاد، دون حتى أن يصدر الرجل ولو آة ألم واحدة.

لقد ذبحه من عنقه كما تذبح البهائم، وارتمى الرجل إلى الخلف في كرسيه يقذف الدم من عنقه بغزارة. ودون أن يشعر محفوظ، قام بمسح الخنجر في قماش الكرسي، وثنى ظهره إلى الخلف، وراح يكمل المشاهدة، وما هي إلا دقيقتين حتى وقف في الظلام لا شيء ينير المكان إلا شاشة السينما العملاقة. وصعد في اتجاه الباب، وطلب من الكشاف أن يذهب للضرورة إلى الحمام، قائلا: أنا مصاب بالسكري، ولا يمكن أن أتحمل حتى النهاية.

وما إن دخل الحمام، إذ قام بافتعال صرخات مكتومة، خرج من بعدها ليستأذن بالخروج من السينما قبل انتهاء العرض.


كانت الساعة العاشرة وخمس دقائق، واستوقف تاكسي، وركب في الخلف، وانطلق تجاه شارع يقع خلف الشارع الذي يسكن به.

من ثم ترجل حتى وصل إلى بيته.


و العجيب أنه كان يعتقد أن هناك من سيكشف أمره على الفور، فلابد أن كاميرات مراقبة السينما ستقوم بفضحه. كما أنه تخيل أن هناك كاميرا رؤية ليلية ربما كانت داخل قاعة السينما نفسها فقامت بتصويره وهو يرتكب الجريمة.


وفي عصر اليوم التالي، بعد أن قضى وقت الظهيرة كله وهو يفكر في الذي لا يعرف ما هو. خرج إلى المقهى، كان وقتا كئيبا عليه، فالمقهى في هذه الأوقات ليس أمرا جميلا، خاصة المقهى الذي يقصده، فالشمس بها صفرة غير محببة إليه في ذلك الوقت، وما إن جاءت الساعة السادسة حتى كان واقفا بطوله والخنجر في مكانه بين بنطلونه وجسمه، أمام باب السينما. وكان يسمع وهو داخل من كلام العمال فيما بينهم عن جريمة قتل حدثت مساء الأمس، جريمة يحب العمال قصها بنهم كأنهم يحبون أن يسمعوها لكل من يدخل، لقد تم ذبح رجل في السينما وهو يشاهد الفيلم الأجنبي الجديد "الحب والفقر". كان رجلا ما بين الثلاثين والأربعين، بينما يصر عامل آخؤ على أنه بلغ يتعدى الستين، مما دفع عامل ثالث إلى أن يقول : لن نعلم أكثر من الشرطة، لقد كان يرتدي تي شيرت شبابي أسود مرسوم عليه كلب. مما استفز الأول وقال: أتكذب ما رأينا جميعا وتصدق الشرطة؟! لقد كان قميص كاروهات، ثم همس وقال: ويقولون أنه رجل مهم، أو ابن رجل مهم.


جلس محفوظ في كرسيه، ولكن كان هذه المرة يجلس على يمينه ويساره كثير من الناس، كان الصف ممتلئا عن آخره.

فشعر بغضب شديد، استطاع أن يكتمه بحنق وغيظ.

حتى أن الذي كان يجلس على يمينه طلب منه أن يتوقف عن هز رجله بهذه السرعة والتوتر، فهي تشعره بالتوتر معه.


خرج محفوظ من السينما، وقد أخذ على نفسه عهدا ألا يعود إليها مرة أخرى، وهو يشعر بأنه ما عاد الناس يحتملون بعضهم البعض، كما أن الكراسي ملتصقة بشكل يحد من حرية الجالسين.


كان يتحدث إلى زملائه في المقهى، كيف أن السينما التي كان يحب الذهاب إليها لم تعد كما كانت، حتى الأفيشات لم تعد تعلق في أماكنها بشكل لائق. لقد صاروا كلاب فلوس. ولا يهمهم الإهتمام بالرواد ولا حتى نوع الخدمات المقدمة يليق بها، وكأنها سفارة أجنبية لدولة استعمارية مبتزة. فكل شيء ثمنه فيها أضعاف ثمنه في الخارج. ويبيعون الهراءات. ولا أعلم لماذا يتعاملون معها وكأنها سوق حرة في مطار. وكأن من يقصدون السينما مجموعات من الأوغاد أو المجانين.


وبالفعل لم يزر محفوظ هذه السينما مرة أخرى، إلا عشرين مرة كانت لأفلام غير مهمة، ولم يلق أي منها إعجاب محفوظ، ربما فيلم أو فيلمين، كان أحدهما اسمه " الفقر والحب" ويقولون أنه نسخة مكرورة عن فيلم " الحب والفقر" الذي شاهده محفوظ قبله بخمس سنين تقريبا.

لكن الحقيقة أنه كان فيلما مختلفا وإن تشابهت الأسماء. لقد كان يحكي عن الفقر أولا لا الحب، كما أن أحداثه كانت تجري في سفينة بحرية، قام فيها أحد المجانين بقتل كل من فيها، حتى اصطدمت السفينة في النهاية بشاطىء جزيرة مهجورة، مسكونة بشتى صنوف البشر.


محمد شحاته حسين ( محمد العريان)





 
 
 

Comments


  • White Facebook Icon
  • White Twitter Icon
  • White Instagram Icon
  • White YouTube Icon

جميع حقوق النشر محفوظة لدى موقع دروب

 

bottom of page