top of page

الهروب من شريحة إيلون ماسك

  • Writer: محمد شحاته حسين " محمد العريان"
    محمد شحاته حسين " محمد العريان"
  • Apr 13, 2021
  • 5 min read

Updated: Apr 14, 2021


في مكان هادىء وبارد، تكسوه أنوار زرقاء مشعة، كان يقف سبعة من البشر، لا يمكن تبين أشكالهم غير المعروفة, فهم يرتدون زيا أبيضا كملابس الأطباء، ويضعون على رؤوسهم خوذات طبية تغطي وجوههم, تشبه البذات المستخدمة في الوقاية من الأوبئة

وكانوا منكبين يساعد بعضهم بعضا، وكأنهم يجرون عملية جراحية لشخص مستلقي على سرير عمليات طبية ،كانت الغرفة محكمة الإغلاق، حتى أن الزجاج الذي كان يراهم ديفيد من خلاله بدا سميكا، وكأنه يتجاوز البوصتين.

كانت ملامح الذعر تتبدى على وجه ديفيد النحيل الهازل، عيناه جاحظتان ككرتين بيضاوتين من محجرين خشبيين، منحوتين في وجه كأنه مصنوع من خشب الجميز.

كان جسمه كله يبدو نحيفا، لكنه واضح العروق، كأنها أغصان شجر عنب قديمة ملتفة ومعوجة، كان كله يشبه تمثالا خشبيا نحيفا يرتدي سترة خفيفة قطنية بيضاء.


رأى ديفيد بعينيه ما كان لا يتوقع أن يراه. وقد بدا وكأنه مكسر الساقين، أخذ يسير مبتعدا في الممر المضاء بألواح ضوئية معلقة على مسافات متساوية. وهو يستند إلى مسند خشبي بطول الممر، مخصص لمساعدة غير القادرين على المشي دون مساعدة.


حتى وصل إلى باب البناية العملاقة. كانت بناية هي من أطول البنايات في العالم، وهي عبارة عن ما يشبه قضيب من النور بارتفاع يتجاوز ال1500 متر، ويتدلى منه بتصميمه المعماري ما يشبه ستارة عملاقة من قمته، تتسع تدريجيا حتى تصل إلى الأرض.

بدت الساحات أمامه خالية تماما من الناس، وإن كان تلوح له من بعيد بعض السيارات المتوقفة هنا وهناك.

كان يبدو كنقطة لا تكاد تظهر في جوار هذا المبنى الهائل الحجم والإرتفاع.

ولكنه قرر أن يسير مبتعدا عن هذا المكان قدر الممكن. كان يعلم أن هناك مئات الكاميرات التي من الممكن أن ترصد حركته. وفجأة توقف.لقد طرأت على باله فكرة ، فإذا كان هذا المبنى بهذه الخطورة، وبه كل هذه الكاميرات، فهل من المعقول أن لم يره أحد وهو خارج بهذا الشكل من البناية.

وضع يده على رأسه، أخذ يتحسسس بأصابعه جلد فروة رأسه ، ويمسك بخصلات شعره الأسود الذي كسى الشيب كثيرا منه، كان يتأكد أنه ما من جرح في رأسه.

وأخذ يمشي حافيا، وهو يتحسس رأسه ورقبته، وفجأة وفي وسط ساحة تبتعد عن المبنى قرابة ال100 متر. توقف، كان يحاول أن يوقف صرحة كانت لتدوي في المكان كله، ومن تعبه نزل على ركبته ، واجهش بالبكاء.

كان يبدو كشبح هزيل في وسط ساحة مضاءة بمختلف أساليب الإضاءة، سواء الإضاءة المعلقة على الأعمدة، أو تلك المبثوثة هنا وهناك في أرضية الساحة الإسفلتية وحولها.

كان يمسح دموعه بيده تارة، وتراة يلقي بكلتا يديه على الأرض. من ثم قرر الوقوف مرة أخرى.

كان يتكلم بكلمات مسموعة بصوت متهدج متقطع" لقد فعلوها معي، سأتخلص من كل هذا، نعم سأتخلص من كل هذا،نعم.."

وفجأة سطعت كشافات نور عالية الإضاءة تجاهه، وحين نظر في اتجاه المصدر، تبين أنها سيارة تقف بعيدا. وفجأة انطلقت السيارة تجاهه في سرعة كبيرة. وحاول للحظة أن يجري ، لكنه وضع ذراعه على عينيه، وقبل أن يفكر في الجري مرة أخرى، كانت السيارة قد توقفت أمامه.

كانت سيارة ماركة GMC يوكن سوداء اللون. ظلت السيارة واقفة أمامه بجنبها، بينما ظل محركها يعمل. وحينها استبد اليأس بديفيد.

ولا يعلم ولماذا تذكر فجأة كاتدرائية نوتردام، وإعادة بناءها تبعا لخرائط مسح ليزري قام به أحد الخبراء، والذي صار اعتبارا هو الباني الجديد للكاتدرائية.

اضاءت كابنية السيارة بنور أزرق بارد، ولم يكن على مقود السيارة أحد. لقد كانت تقاد بواسطة التحكم عن بعد. وأدرك ديفيد أن هناك من يراه وأرسل هذه السيارة خلفه. انفتح باب السيارة، بصوت هادىء، ووقف ديفيد ينظر في داخل الكابينة وهو واقف مكانه، وقد أدرك أن هذه إشارة لأن يركبها. فسار مبتعدا عنها، لكنها وبسلاسة شديدة اتخذت نفس الوضعية أمامه، وانفتح الباب مرة أخرى.

وهنا سمع صوتا مسجلا من داخلها يقول بهدوء "اركب"

و هم ديفيد بركوب السيارة، وقد بدت ساقاه تحت القميص القطني القصير الذي بالكاد يصل إلى نصف ساقيه، وكأنها عمودان من الخشب اليابس. وفجأة توقف محرك السيارة.وانطفئت الأنوار، وحاول الباب أن ينغلق عليه وهو لم يركب بعد، فابتعد، فانغلق الباب.

بدا الأمر وكأن هناك من يلاعبه، هناك من يريد العبث به. لكنه لم يفكر لذلك، وابتعد عن السيارة وهو يواصل السير حتى وصل إلى الرصيف المحيط بالساحة والذي من بعده ساحة مزروعة بالنجيل وأشجار الزينة.

شعر وكأنه وصل إلى الشاطىء ، بعد دقائق قصيرة قضاها في ساحة إسفلتية مكشوفة. وأسرع تجاه شجرة نخيل نصبت للزينة وأسند ظهره إلى جذعها، جاعلا الساحة خلفه، وهو يريد الإختباء من الكاميرات التي ترصد المشهد.

نظر حوله بعينيه المهلكتين، وكأنه يبحث عن شيء ما، ووجد مجموعة من الأحجار المتراصة بأحجام مختلفة للزينة على مقربة منه. فزحف بهدوء تجاهها، وأخذ يحركها بيده، وانتقى منها حجرا بحجم قبضة كفه، وعاد ليختبىء وراء الجذع.

وانتبه للمشهد أماهم، كانت أمامه في الشجر العديد من الكاميرات المعلقة، كان يراها بوضوح. فابتسم بجهد وهو ينظر إليها، كانت تحيط به من كل مكان.وكأنها عيون تنظر إليه. وضع الحجر إلى جانبه على العشب الندي. وراح يتحسس العشب بكفيه،وكأنه يغرس كفه فيه، يتحسس نداوته. وراح يتحسس بيده الثانية مكان الجرح الذي في رأسه. كان جرحا يشبه شقا بسيطا، مجرد خدش طولي عند قمة رأسه. اقتلع بعض العشب الممسك به بيده ووضعه على الجرح، وفجأة أمسك بالحجر وهو ينظر في اتجاه الكاميرا التي كانت تشبه رأس أفعى تنظر إليه من أعلى جذع نخلة مقابلة. ورفع الحجر ثم أهوى به على رأسه بكل عزمه. وانفجر الدم، وصرخ، وضرب رأسه مرة أخرى. وهو يصرخ، و شعر وكأنه في غيبوبة شديدة.

بعد ثلاثة أيام. وفي حوالي الساعة الثانية عشر ظهرا، استيقظ ديفيد. ووجد نفسه في غرفة مستشفى، وإلى جواره ومن خلفه بعض الأجهزة، كانت الشمس تتسلل خفيفة من وراء الستار الكهربي المجهز للنافذة، ووجد نفسه لا يشعر إلا بألم بسيط في رأسه. وحينها شعر بفرحة ما استولت عليه، نظر إلى أقدامه، وقد أزاح عنهما الغطاء الأبيض، كانتا نظيفتان حقا، كذلك يديه، وشعر أن هناك من حقا اهتم به. وهو يتذكر ما حدث له في تلك الليلة الرهيبة، لابد أن هناك من أنقذه.

بالفعل، ما إن قام ديفيد بضرب رأسه بالحجر، حتى دخل في غيبوبة عميقة، وسارع شخصان بنقله على الفور، وكأنهما كانا يتابعانه لحظة بلحظة، وقد كان الأمر كذلك بالفعل.

وبينما يفكر فيما يحدث، وهو يشعر براحة شديدة، حتى دخلت عليه ممرضة أنيقة مبتسمة.ألقت عليه التحية" صباح الخير يا سيد ديفيد"

"صباح النور"

" أنت الآن على أحسن ما يرام، أليس كذلك"

" نعم، أشعر براحة" اعتدل ديفيد في سريره ليجلس مستندا إلى ظهره، وقال"أشعر حقيقة براحة شديدة، أخشى أن يكون مصدرها نوع ما من الأدوية لن يتوفر لي فيما بعد"

ابتسمت الممرضة ، وقالت " لا، أنت تتماثل للشفاء بالفعل، وهذه الراحة سببها الفرق الكبير بين وضعك الحالي وبين وضعك الذي كنت عليه" ثم أردفت وهي تقترب من النافذة " دعنا لا نتحدث عن شيء الآن"

" هل يمكنني المشي حتى النافذة؟"

" بالطبع، سأساعدك"

سار ديفيد مستندا بيده إلى يد الممرضة حتى وصل إلى النافذة، وقامت الممرضة بسحب الستار القماشي المضلع الأزرق.

كان المشهد أمامه، وكأنه يرى المدينة كلها من بعيد. ووقف هادئا لا يتكلم، حتى استدركت الممرضة وقالت " إننا في الطابق الثلاثين" ثم أردفت وكأنها تعرف وقع كلامها عليه " إن دخلت إلى هنا مرة يا سيد ديفيد، فمن الصعب أن تخرج"

وضع ديفيد يديه على الزجاج، وهو يبتسم، ويوميء برأسه (أن نعم أفهم ما تقولين بسعادة) وكأنه لا يعلم شيئا، وطلب منها دون أن يتكلم أن تعيده إلى السرير. وما إن لمست كفاه السرير، وكانت الممرضة خلفه، حتى أزاحها بيمينه من ورائه بقوة، وجرى تجاه النافذة وكأنه اكتسب قوة كل المكان، وصرخ بكل قوة، وقد شعر بألم رهيب في رأسه حين صرخ وهو يجري في هذه اللحظة الصغيرة، مما دفعه إلى الجري أسرع، و رطم نفسه بالزجاج وكسره بجسمه وألقى بنفسه من النافذة.



محمد شحاته حسين (محمد العريان)

تعريف به : شاعرو كاتب مصري ، ولد في أسرة صعيدية، سنة 1984 ميلادية.له العديد من الأعمال المنشورة في مختلف الصحف.







 
 
 

Comments


  • White Facebook Icon
  • White Twitter Icon
  • White Instagram Icon
  • White YouTube Icon

جميع حقوق النشر محفوظة لدى موقع دروب

 

bottom of page