الفرق بين "ذلك" و "ذلكم"
- محمد شحاته حسين " محمد العريان"

- Mar 22, 2022
- 4 min read
Updated: Apr 2, 2022
الفرق بين ذلك وذلكم
نظرنا في الفرق بين ذلك وذلكم عند النحويين القدامى و المعاصرين منهم ووجدنا من تكلموا كثيرا عنها.وكل منهم أدلى بدلوه قدر جهده مشكورين. إلا أننا لم نجد لأقوالهم إلا رجما بالغيب ورؤى بلا بينة أو دليل.
ولا نطيل، فنقول
إن ذلك تفيد الإتساع وذلكم تفيد الحصر
.و لم تأت كلمة "ذلكم" إلا وقد حصرت جزءا من كل وخصصته وتفيد معنى (إلا المذكور لا يجوز).
فهي تحكم المعنى ولا تترك له متسع من التقولات و الآراء.
قال تعالى "وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ"
ولو قال "ذلك وصاكم به" لكان من الجائز للعقل أن يتصور وصايا أخرى في هذه المسألة غير هذه تنفع وتقضي عن المذكورة.
فنفهم أن الوصية المذكور أعلاها لا بديل عنها وعديل لها. فالإقتراب من مال اليتيم و إيفاء الكيل والميزان بالقسط والقول بالعدل والإيفاء بعهدالله فذلكم وصانا به ولا يمكن أن نتعامل مع أي من المذكورين أعلاه إلا بما ذكر.
وقوله "يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ۚ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ (13)
ولو قال "ذلك الله ربكم" لكان من الممكن أن يتصور العقل أن غير الله قد يفعل ذلك فاختص الله بالربوبية دون غيره. لكن قوله "ذلكم" افادت أن لا يقدر على فعل ذلك إلا الله.
وقوله "وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۗ انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يؤمنون"
فهي تفيد أن هذه المذكورات فيها آيات وليست هي الآيات من قوله (إن في ذلكم) ولم يقل (إن ذلكم لآيات) وقوله ( لآيات) ولم يقل (إن في ذلك آيات). فهي تحتاج إلى التفكر والتدبر والتعقل لمن يريد أن يؤمن، وهذا معنى لم يلتفت إليه الكثير ممن سبق. فالإيمان عملية تحصيلة مقصودة بالنية والعمل وليست نتاج فجأة تأتي أو لا تأتي. فلم يقل (لقوم مؤمنين) إنما قال ( لقوم يؤمنون) أي هم في فعل الإيمان .و ذلك يجعل الإيمان منفتحا لا تعد معاليه. فلو قال ( إن في ذلك لآيات لقوم مؤمنين) لحصل أن نفهم أن من هو مؤمن فلابد أن يكون عارف بما في هذه المذكورات من آيات ولصارت شرطا وعلامة لا يُقبل الإيمان إلا بها ولا يكون المرء مؤمنا إلا إذا حققها. ولكن كان قوله " إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون" فمن يسلك في الإيمان قاصدا فله في هذه المذكورات آيات ينتفع بها" ولم يذكر ما هي هذه الآيات في المذكورات لسعة الحال.
وقوله "(71) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ (74) إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ (75) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ (76) إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ (77)
وفي هذه الآيات وجب ان نبين للناس ما خفي عنهم بنسخ الكتب دون تفكر.
فقوله تعالى( وإنها لبسبيل مقيم) يقصد للآيات التي هي للمتوسمين وليست مدينة
وقوله" إن في ذلك لآيات للمتوسمين" كسابقتها لم يقل( إن في ذلك آيات للمتوسمين). فالآيات تحصل بالتوسم. والتوسم هو استخراج العلامات والبينات. والمتوسمين الذين ينظرون في المآل من علامات الحال. وبذلك نبين معنى التوسم مخالفين من سبقنا من المفسرين والشرّاح مطابقين لقول رسول الله صلى الله عليه وآله في معنى المتوسمين.
" وإنها لبسبيل مقيم" أي تلك الآيات تحدث دائما يعرف ذلك المتوسمون. وليست قرية قوم لوط التي هي بسبيل مقيم كما قال من سبقنا.
فمن الآيات ما هو لزمانها ومنها ما هو لمكانها ومنها ما مختص لأقوام دون غيرهم ومنها ما هو لكل زمان ومكان ومنها ما هو للإنس دون الجن ومنها ما هو لأناس غير أناس من نفس القوم.
وتختلف الآيات.
وقوله " إن في ذلك لآيات للمتوسمين" ولم يقل" إن في ذلكم لآيات للمتوسمين"
لتفيد سعة التوسم، فالتوسم في هذه
المذكورات وغيرها وليست هذه وحدها.
وقوله "وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"
نستفيد منها الكثير وقد وافقت ما قبلها ذكرناه أعلاها. فالتعقل من طرق التوسم، وذلك شرحه يطول وليس محل المقال إيجاد الصلة بين الآيتين.
فلكل صراط سبيل. والوصية محصورة بما ذكر لا حياد عنها. فهناك أكثر من صراط كما جاء في سورة الفاتحة. والحصر لصراط الله المستقيم. ولو قال " ذلك وصاكم به" لوجب أن نفهم أن في هذا الأمر المذكور ما ينوب عن هذه الوصية بوصية غيرها. لكنه قال" ذلكم وصاكم" فهي وصية ثابتة لم تتغير.
وفي القرآن كله لم يأت على قول " ذلك الله" إنما كلها جاءت " ذلكم الله" فلا إله إلا هو ولا تنفع ولا يجوز أن يقال ذلك الله.
ومنها "ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ
وَكِيلٌ (102)
(ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ المُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ)
وقوله "اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ 64 هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۗ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ 65
وهكذا في القرآن كله
نجد أن "ذلكم" إشارة تفيد الحصر والإختصاص،و"ذلك"تفيد السعة ما لم تقيد بشرط.
هذا وقد اختصرنا مشيرين إلى الفرق بينهما بالبينة وما خالفنا معاندين وقد وافقنا نص الكتاب . والبينة على من يخالف ما بيناه.
وأوْدعنا مسالكَنا * علاماتٍ لِمَنْ مَرَّا
محمد شحاته حسين
(محمد العريان)




Comments