العمل الثوري
- محمد شحاته حسين " محمد العريان"

- Sep 21, 2020
- 4 min read

من العبث أن نتحرك تجاه ما لا نعرف. فربما كنا نبتعد عن شبح الفقر تجاه جسده نفسه.
إنما الثورات السياسية عمل جماعي، رفضا لمجموعة من الأوضاع الراهنة أو كلها.
و الفئة التي تقوم بهذا الرفض الثوري هي التي ستعنون الثورة بعناوينها اللاحقة.
ثمة رهان ثوري مرتبط بالعدد لا بالكيفية، وعليه فعادة ما توصف الثورات التي تنبثق من المجتمع البعيد عن السلطة بالثورات الشعبية أما تلك التي يقوم فيها جزء من السلطة بالقيام بعمل ضد باقي السلطة فتوصف عادة بالإنقلابات.
والوصف الأول هو الذي يسعى كل عمل ثوري للحصول عليه. إذ شرعية الرفض فيه تكون نابعة من كافة الشعب على اختلاف توجهاته، وهذا ما لم يمكن التعويل عليه. إذ أن تسيد مجموعات من القادة الشعبيين لمجموعات من الشعب، لا يعني أنهم يمثلون كافة الشعب. وعادة ما يتم احتساب النسبة الصامتة المجهولة لصالح العمل الثوري، في حالة ما حقق نجاحا لمطالبه.
ولكن لما كانت الأهداف الثورية لأي عمل احتجاجي لا يمكن حصرها كاملة، لمعرفة كيفية بلورتها في شكل مطالب واضحة. فإن المطالبة بتغيير نظام أوالممثلين لنظام هي عادة رؤية تلخيصية، هي الأسهل في تفهيمها و بثها بين الناس، و الأصعب في تحقيقها.
الفقر الجوع فقدان الرعاية،و الإهتمام وبؤس المعيشة كلها أسباب مادية، من السهل تسويقها في المجتمعات الفقيرة. فالفقر وما يترتب عليه من أوضاع يمكن معه توليد ونشر كافة المشاعر العدائية، لوضع راهن يجب تغييره.
ولا يمكن فيها التمييز بسهولة بين متطلبات الفئة الثائرة و بين حقيقة متطلبات بقية الفئات.
كذا فتوصيف المتطلبات الثورية بعبارات على المستوى الإنساني، يعد في كثير من الأحيان غير معبر حقيقة عن تلك المتطلبات.
فبكل سهولة يمكن وصف الغني بالسارق، إلا أن ذلك لا يعد وصفا مطابقا ما لم يتخلله عملية تنظيرية، للربط بين أسباب الغنى و السرقة.
وعادة لا تحتاج هذه العملية إلى مجهود كبير، نظرا للتراكم التاريخي الذي خلد العلاقة بين الغنى والسرقة، من خلال الكثير من الأمثلة و الحكايات.
وفي نوعية المجتمعات المصابة بالفقر وتداعياته، فإن أدنى إشارة إلى أي من علامات الرفاه أو التميز لدى الفئة الحاكمة يعد اتهاما ضمنيا بالسرقة، سريعا ما يتم التصريح به.
وغالبا ما لو انتصر أي عمل ثوري بهذه الطريقة فسريعا ما يعود إلى نفس الوضع. ذلك أنه لم يتحقق جيدا من الأسباب، التي أدت بالوضع القديم إليه.
فالفقر كأكثر محركات الأعمال الثورية شهرة، هو عادة لا يكون نتاج مجموعة من اللصوص، يتملكون مقدرات الدولة لصالحهم دون غيرهم. وإن كان هذا من الأسباب إلا أنه ليس هو كلها، خاصة إذا ما كان الوضع المثار ضده هو نتاج شعبي، و ليس نتاج إحتلال أجنبي أو تسلط أيديولوجي، يحتكر المال لصالح فئات بعينها.
حينها يصبح الحراك الثوري كنوع من إعادة توزيع السلطة على الشعب، والتي عادة ما تعود لتتمركز في يد سلطة جديدة هناك من يخطط للقضاء عليها.
لا يمكن اعتبار العمل الثوري داخل التاريخ أعمالا استثنائية، فالحقيقة أن طبيعة العمل الثوري هي التي تخيل للبعض هذا التصور.
فالثورات تشبه تماما مفاتيح الإنارة التي نادرا ما نستخدمها، إلا أن عملها يدوم وفق استخدامنا لها.
غرفة مظلمة ما إن دخلناها قمنا بتشغيل مفتاح الإنارة من ثم جلسنا ساعتين أو ثلاثة. و طوال هذه الجلسة لم نستخدم المفتاح إلا مرة واحدة حين دخلنا.
لكن أن يظن البعض أننا بإعادة التشغيل سنملك المزيد من المال في جلستنا، أو أننا سنحصل على طعام مجاني فهذا لن يكون ما لم تكن هناك بيننا وبين الطبيعة اتفاق مبرم حول هذه العملية!
فمن يوعز في شعب ما أنه سيكون بخير إن تخلص من نظام ما قائم، دون أن يحدد لذلك أسبابا واضحة، فتلك مغامرة غير محسوبة أو فخ لصالح توجه ما يستخدم الشعب كأداة. كما أن طبيعة العمل الثوري التي تتميز باللابعدية في كثير من تصرفاتها، توحي وهما بأن للثورات قوانين طبيعية، تضمن تحقيق الأهداف لمجرد الغضب.
فليس من المعقول بعد كل هذا الغضب أن يحدث ما لا نحب.
اللابعدية
أن نفعل شيئا ما دون معرفة ما الذي سيحدث لاحقا. إن إيماننا وحده بأن اتخاذ خطوة ما في اتجاه هدف ما يجب أن تكون، فليس يعني ذلك أن لا نحدد اتجاه هذه الخطوة، بل من العبث أن نتحرك تجاه ما لا نعرف. فربما كنا نبتعد عن شبح الفقر تجاه جسده نفسه.
و لكن عادة وبحكم التجربة التاريخية فالحراك الثوري الذي يخطط فقط للتغير دون وجود بديل هو أشبه بعملية هدم، خالية من ضمان حقيقي للشروع في بناء جديد يفي بالأهداف.
فهدمي لكوخي لا يعني أبدا أنني سأبني غدا قصرا. ما لم يكن لدي خطة كاملة لهذا الهدف.
فأن يقال علينا الأول التخلص من هذا النظام دون وجود نظام بديل، فهذه رؤية ترمي إلى القول بأن اللانظامية هي الأساس و الصحة، و أن النظام الراهن هو زائد مرضي يجب التخلص منه لنكون بحال أفضل.
وهذه مسألة مهمة حول مفهوم الحاكمية نفسه. والذي عادة ما يفيد فئة نظامية ما ولو مستترة، أو تحاول أن تبدو وكأنها كذلك.
فانبثاق نظام جديد جيد من اللانظامية هو عمل يشبه تفكيرنا في الخلق الأول، ولنا أن نتصور حالة من الشيوع يتوجب علينا استخراج نظام منها. فالقول بأن اللانظام هو النظام، هو قول صادق، لكن الثورات في واقعنا اليوم لا تسعى إلى ذلك في وجود أطر فكرية كثيرة يعتقدها البشر.
فالثورات في عملها لا تعرف الفرق بين الخيروالشر، ولا يمكن القول بأن لها أهداف موحدة،أو حتى لديها سبل موحدة لتحقيقها.
فالقول باللابعدية هو إشارة إلى القبول بما سوف يكون مهما كان وهذا تصريح لا يقصده غالبية القائلين باللابعدية. فغالبا ما لديهم تخوف من التميز عن العموم الشعبي بشكل علني ليضمن لهم القدرة على البقاء مع كافة التوجهات . أو أنه قول انتقامي يحمل في طياته وجوب التخلص من الوضع الراهن بأي شكل مع شعور بأن الخطوة التالية ستكون أفضل وفي صالح توجهه مما يجعله يؤكد على نشر مفهوم اللاقيادية إلى جانب اللابعدية.

ثورة إشارات المرور
مما يجعل من العمل الثوري مجرد دعوة إلى المثاقفة/ المبارزة بين كافة أطراف المجتمع، وغالبا ما يخطط لها حينها جماعة تعرف بالضبط كيف تسيطر على مجريات الأمور، أو هكذا تظن بنفسها. فهي تبدو كدعوة مفتوحة أو ثورة لإشارات المرور يتولد عنها توقف للبعض أو مرور للبعض. دعوة تحمل في طيها صنع أزمة مرورية لا يهم بعدها كما يدعي المؤمنون باللابعدية من الذي سيمر أولا والمهم عندهم أن لا تمر بعض السيارات التي قامت ضدها الأزمة أو تحطيمها. فهي ليست كما يبدو مبارزة شريفة كما يريد البعض تخييلها. إذ أن الأطر الفكرية سواء أيدجيولوجية دينية أو اقتصادية أو ثقافية أو عرقية لن تسمح أبدا بتمرير الصراعات البشرية على هذا النحو.
فالقول باللابعدية يشير إلى اتجاهين إما وجوب التخلص من الوضع الراهن و ليكن ما يكون. أو أن لديه خطة حقيقية أو توهم اتكالي يكفل له الراحة الشعورية بأن القادم سيكون تبعا لما يريده.
محمد شحاته حسين



Comments