العليل
- محمد شحاته حسين " محمد العريان"

- Oct 4, 2020
- 2 min read

في الشتاء، في تلك الليالي التي لا ترحم الفقراء، وتحيل عظامهم إلى اللون الأزرق.ودماءهم إلى لزوجة تتدفق ببطيء في عروقهم الخفيفة كأنهم يحاولون الدخول في سبات شتوي.
كيف حاله الآن يا ابنتي.
كانت امرأة تتشح بالسواد، وتلبس فوق رأسها غطاءا ملفوفا حول رقبتها للسترة والدفء، تناهز الستين أو أكثر، لا تكسو الكثير من التجاعيد وجهها، لكنها تبدو امرأة قديمة. تسأل ابنتها الجالسة أمامها وهي متدثرة في ثياب منزلية كثيرة تقي نفسها برد الصقيع الذي يضرب البيت كأنه آخر البيوت.
مازال محموما، أخاف أن تؤثر به هذه الحمى، يقولون أن لها أثر دائم بالعقل لا يزول.
لا شيء فقط يصيرون سريعوا الغضب, المهم اهتمي بالكمادات، فلا شيء يقضي على الحمى إلا هي، هكذا نفعل دائما.
والسعال ، إن الطبيب يشك بأنه مريض بالسل وقال أنه سيتبين ذلك غدا، غدا سنعرف نتيجة التحليل. ثم تقول وقد تمعض وجهها وتقارب البكاء"لا أعرف ما السبب، والله لا أعرف، لقد كان يلعب ويجري وفجأة نام واستيقظ وهو على هذه الحال"
أنتي لا تهتمين بطعامه ولا بشرابه. كذلك كثيرا ما يمرض ابنك، أنتي لا تهتمين، أي شيء حال وهو ابنك الوحيد. اهتمي قليلا، هناك ناس في عرض ضنا.
لا والله بالعكس، أجعله يأكل كل شيء مفيد، آخر مرة من يومين اشتريت له باكو بسكويت، من الغالي والله من الغالي، كانت نفسه فيه، والتهمه كله، كان يضحك وهو يأكله ويشاهد التلفزيون. وألبسه أثقل الملابس, لكنه يحب اللعب مع أصحابه في الشارع والماء والطين.
كلمتي اختك سوسن؟ أخبريها فهي لها صاحبتها في الإسعاف، وأنا سأتصرف وأجيب ثمن دواء الروشتة. أعرف امرأة لا تكف عن فعل الخير، تعطي دائما. لعلها تعطيني.
كان في ظل الحجرة يجلس شابا في العقد الرابع من عمره. يحملق في سجادة قديمة حمراء من تلك السجاجيد التي لا تنتهي رسومها، على الأرض وكأنه يتتبع رسومها المغفلة بعينيه. من ثم وقف وارتدى جاكيت كان ملقى إلى جانبه.ونظر إلى الطفل الملقى على السرير وجس جبينه بيده ، وخرج.
هو بخير الآن يا سميحة. اذهبي إلى بيتك الآن يا حماتي فالساعة الحادية عشر الآن، الوقت تأخر. سأعود يا سميحة بعد قليل سأجلس ساعة في الخارج ثم أعود.
خرج مندفعا على السلالم دون أن يلوي رأسه، وهو يفكر في كل مكان يمكن أن يجلب منه نقودا. وما إن وصل إلى باب البيت. حتى سمع صراخ سميحة. اتسعت عيناه على آخرهما ووقع قلبه في رجليه، وصعد بسرعة البرق على السلالم. وطرق الباب بشدة، وفتحت حماته. فدخل مسرعا إلى سرير ابنه،صرخت سميحة "لا يتحرك ،لا يتحرك" مال على ابنه وراح يهزه لكنه كان قد فارق الحياة. كانت رأسه الصغيرة مسندة على ذراعه مستسلمة محنية.
في تلك اللحظة لا نعلم ولماذا سب الدولة.
محمد شحاته حسين



Comments