top of page

العقل الزاحف (البعث)

  • Writer: محمد شحاته حسين " محمد العريان"
    محمد شحاته حسين " محمد العريان"
  • Aug 11, 2021
  • 3 min read


أغلق العمال بالوعة الصرف بعد أن أنهوا عملهم بغطاء حديدي، وفي تلك الأثناء كان قد سقط العقل في ظلمة البالوعة إلى القرار، واستقر هناك لمدة تقارب الساعة، تتموج حركته مع تيار المياه المتدفق من الشوارع في الأعلى جراء الأمطار.

و فجأة انتفض العقل، كانت حركة حاول معها على ما يبدو أن يرتفع للأعلى. لكنه ما ارتفع إلا جوانب منه مقدار سنتيمترات قليلة، وعاد واستقر. وتكررت هذه الحركة عدة مرات على فترات زمنية قصيرة. وفجأة بدأ العقل يخرج منه ما يشبه الهلام، ما يشبه السائل اللزج، لكن لم يلبث أن تحول العقل كله إلى هلام.

كان يشبه سحابة هلامية رمادية اللون، ذائبة في المياه. و راح تيار الماء يجرفها، واستطاع تمزيقها إلى سحب هلامية صغيرة متماسكة بالكاد.


وفي الصباح سمع الناس صوت أزيز عال، واستطاعوا تحديده قادما من مجاري الصرف، كصوت أبراج كهرباء الضغط العالي.


اتصل الناس بالشرطة، والتي بدورها أبلغت المسؤولين عن وجود صوت غريب جدا مصدره شبكة الصرف.

تجمعت الشرطة، ومعها عمال مختصون، حول فتحة بالوعة مغطاة، وفي الوقت المناسب، قام أحد العمال برفع الغطاء، كان الصوت عاليا جدا. حتى أن العامل أمسك بأذنيه وتراجع جاريا إلى الخلف، بينما توتر رجال الشرطة، وعادوا بدورهم إلى الخلف، محاولين إبعاد المارة قدر المستطاع.

وما هي إلا لحظات، حتى انطلق من فتحة البالوعة أسرابا متدفقة من كائنات تشبه البعوض أو الجراد. طارت تهاجم الجميع. فجرى الناس مذعورين تخبط في كل اتجاه، وتوقفت حركة المرور تماما في الشارع.

وكان لكل بعوضة ما يشبه الذنب. وكانت تتصيد الوجوه والرقاب، أو أي مكان مكشوف وتقوم بلدغه.

لكن العجيب أنه ما من أحد كان يصرخ جراء اللدغ. ولكن بعد ثواني كان يشعر الملدوغ بحرارة بسيطة في مكان اللدغة، واحمرار لا يلفت. مما زاد الناس ذعرا. فعذه الكائنات تلدغ على كل حال، وانطلقت صافرات سيارات الإسعاف والشرطة تملأ المدينة.

بينما كانت الفتحة يخرج منها أسراب كبيرة العدد من ذلك الباعوض الذي يقدر بمئات الألوف. وراح ينتشر في المدينة كلها.


في تلك الأثناء كان في قرار شبكة الصرف، وفي القاع المظلم ما قد تبقى من العقل الزاحف، بحجم حبة اللوز. وكان يهتز بشدة وسرعة كبيرة، وكأنه سينفجر.

و سريعا ما تحرك هذا الجزاء في مياه الصرف وكأن مغناطيسا هائلا يجذبه ناحية الفتحة مرفوعة الغطاء. ومن بين أسراب الباعوض التي تخرج. خرج العقل الزاحف كقذيفة من الفوهة، وبسرعة عالية جدا، ألقت به في غابة تبعد عن المدينة عدة كيلومترات.


تساقط الناس الملدوغون في الشوارع بعد فترة قصيرة، بعدما ظنوا أنه مجرد لدغة عادية، بعد أن أخذ رجال الإسعاف عدة عينات من دماء ولعاب الملدوغين لعرضها على الهيئات المختصة لفحصه.

كانت الحمى تعصف بكل من لدغته باعوضة. وكانوا جميعا في حالة من الهذيان ولا يكررون إلا كلمات بسيطة واضحة، كلهم يكررون نفس الكلمات ( الألم، البرد، الإهانة، المطر، البرق، الرعد، القرد، الثعبان، السماء، الأرض، الذئب، الفأس، الجحر، الثمار ، الخمر، النسر، البركان، الإهانة، الألم، الخوف، الجوع، السمك، الشبع، الحريق، الشمس، القمر، الليل، النهار، الخنزير، اللوفر، السيارات، العجلات، الأحذية، الكلاب، الجبل، البحر، النور، البالوعة، القرد، الثعبان، النسر ، الألم، أنا، أنا ، أنا ،أنا، أنا)

كان كل منهم يقول كلمة بينما يقول الآخر بترتيب غيرها، وكأن كل الكلمات كانوا ينطقونها في ترتيب مقصود لتُسمع في نفس الوقت.


وسريعا ما دخل العقل الزاحف في تربة الأرض. وما هي إلا ليلة، حتى نبت مكانه في الصباح وبسرعة شجرة كبيرة.


مات غالبية سكان المدينة وهم يكررون الكلمات. بينما من بقي من الملدوغين حيا دخل في غيبوبة من ذلك النوع الذي يحتاج إلى رعاية بالسنين أو الموت.


امتد العمران مدينة حتى وصل إلى منطقة الشجرة، كان مشروعا لأحد المستثمرين، والذي حين زار الموقع ليتفقده، رأى تلك الشجرة، وأعجبته بشكلها المتناسق والغريب، وقال لرفاقه من حوله : " لا أعلم لماذا تشعرني هذه الشجرة بأشياء كثيرة لا يمكنني أن أعرف ما هي، لكنها عجيبة، وأحبها على حالها هذا، ابقوا عليها ولا تقطعوها، واصنعوا لها سورا يحميها من الدمار حتى ننتهي من البناء، وحينها سيكون لي معها فكرة، ربما سأقيم لها بنيانا وحدها". انتشرت آلات العمال من حول الشجرة في كل مكان لإنشاء المشروع الكبير.


بينما كانت الشجرة بأوراقها التي تشبه أشياء كثيرة، تهتز وكأنها انتصرت بشموخها بجذعها الضخم القوي الممشوق إلى السماء، وحتى لو كانوا قد حاولوا قطعها. فجذورها ممتدة في كل اتجاه وبأعماق كبيرة، تمتد أكبر من مساحة المدينة كلها.



محمد شحاته حسين (محمد العريان)




 
 
 

Comments


  • White Facebook Icon
  • White Twitter Icon
  • White Instagram Icon
  • White YouTube Icon

جميع حقوق النشر محفوظة لدى موقع دروب

 

bottom of page