top of page

الروح والريحان في شعر الأمير تميم بن المعز لدين الله الفاطمي.

  • Writer: محمد شحاته حسين " محمد العريان"
    محمد شحاته حسين " محمد العريان"
  • Apr 19, 2021
  • 6 min read

منعه أبوه الخلافة ، وهو أكبر أبناء الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، لكن روح أميرنا كانت تحلق في ميادين غير الميادين، وبساتين غير البساتين.

ولد الأمير تميم بن المعز لدين الله الفاطمي في عاصمة ابائه (المهدية) بتونس. سنة 337 هجرية. كان أبوه المعز لدين الله يكنى بأبي تميم قبل أن يولد تميم. بل كانت كنية المعز وهو مازال طفلا.

ولد أميرنا في رغد من العيش وعيون تتطلع إلى حقائق الأشياء وجمال الموجودات وسبر أغوارها. لكن عيون من حوله عنه لم تهدأ. حتى أن أبوه كان أكثر ما يخشى عليه من أبناء عمه، ولعل لذلك قصة مهمة هي من ديدن الأيام والسنين في الخلق. وقد كان كذلك أبوه من قبله. فالخليفة المنصور بالله أبو المعز لدين الله الفاطمي أوصى ابنه المعز برسالة جاء فيها " واعلم يا بني أن الشجرة الملعونة في القرآن هم بنو أمية بالأمس وبنو جديك المهدي بالله والقائم بأمر الله، لأن بنو أمية استحقوا ذلك لعدواتهم لجدك رسول الله ووصيه علي بن أبي طالب وكذلك استحق هؤلاء ذلك لعداوتهم لله ولأولياء الله وجحدهم فضلنا وإنكارهم حقنا فاعلم ذلك وتدبره"

ولم يدرك الأمير تميم ما يحيق به من أذى وبعرشه الذي لم يستلمه أبدا، فإن كان مكتوبا له في عالمي الخلق والبراءة فإن الغوائل منعته أن يخرج به إلى عالم التصوير.

فتواصل الأمير تميم من وراء أبيه المعز مع أبناء عمومته محبة، وما كان أولئك إلا يريدون الإنقضاض على العرش الفاطمي، واشتدت الأخبار عن صلة بين الأمير تميم وبين أبناء عمومته أعداء أبيه. حتى وصل الأمر إلى أن استأذن والي صقلية (أحمد بن حسن الكلبي) الخليفة المعز في أن يذبح ابنه لأنه علم أن ابنه يساير الأمير تميم وذلك يغضب الخليفة المعز لدين الله. وما كان أشد ذلك من وقع في نفس المعز لدين الله. فقد فشى الأمر ، وما كان يستره عن الناس من نزق وتهور ابنه الأمير تميم قد ظهر. فحرمه العرش دون أن يخبر بذلك أحدا..


وفي الفتح الإسلامي الفاطمي لمصر على يد الخليفة المعز لدين الله الفاطمي قدم الأمير مع أبيه وعمره آنذاك 25 سنة. واستمر أبوه لا يثق به حتى في أحلك الظروف، ولم يوله ولو قيادة جيش. وحين مات أخوه عبدالله حزن أميرنا حزنا شديدا وقال :

كلُّ حيّ إلى الفناء يصيرُ

والليالي تَعِلَّةٌ وغُرورُ

وإلى الله يرجع المَلْكُ والمُلْك

ويفُضِي الأمير والمأمور

وإذا لم يكن من الموت بدٌّ

فطويل الحياة نَزْرٌ حقير

أيَّ خَطْبٍ أرى وأيُّ ليالٍ

دهم الناس صَرفُها المحذورُ

كيف لا تأثِر المصائب في النف

س على من هو النفيس الأثِير

وكذا الرُزْءُ بالعظيم عظيم

وكذا الرزء بالحقير حقير

كيف لم تسقط السماء على الأرض

ولم تَهوِ شمسُها والبدور

يوم مات الأمير بل يوم مات الصَّبر

فيه بل يوم مات السرور.

وبعد أن مات الخليفة المعز لدين الله الفاطمي أعلن الدعاة الفاطميون أن الخليفة هو نزار بن المعز. وكان تميم أول من بايع أخاه. وصار يمدحه ويذب عنه ويدافع وأظهر له من مظاهر الوفاء والحب والخضوع ما تجعلني أنا محمد أقر له بالسعادة في نفسي مادمت حيا.

ومن المستظرف أن الخليفة العزيز بالله (نزار) دنا مرة من قصور أخيه تميم وبساتينه فاستأذن ودخل. وركب معه أخوه تميم نجيبا من النجائب (حصانا له وصف) فاقترب من شجرة ليمون فأخذ منها ليمونة فوجد مكتوبا عليها بماء الذهب :

أنا الليمون قد غذيت عروقي ... ببرد الماء في حرز حريز

حسنت فليس يحسن أن يحيى ... بأمثالي سوى الملك العزيز

فجعلها في كمه وقال: هذه ضيافتي عندك. وانصرف إلى قصره فبعث إلى أبي جعفر بن مهذب صاحب بيت المال، فقال له: ما عندك من الدنانير ضرب هذه السنة؟ وكان ذلك في أولها فقال له: مائة ألف وستون ألفاً، فأمره يحلمها من ساعته إلى الأمير تميم مع راشد العزيزي، وقال له: أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول لك: استعن بهذا على مؤونتك. فقبل الأرض وبعث إليه من الغد قصيدة حسنة يمدحه فيها ويشكره.


مال الأمير تميم إلى اللهو في حياته واصطحب من الناس أصدقاء واصطفى منهم (بني الرسي) وهم أسرة حسنية طبطبائية ، وصادق منهم على ما جاء في شعره وشعرهم اثنين.منهم الحسين بن إبراهيم الطبطبائي وأو إسماعيل إبراهيم بن أحمد والده كان نقيب الطالبيين بن محمد بن إسماعيل الرسي بن القاسم بن إبراهيم بن طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب.

كذلك اختلط بعدد لا بأس به من الشعراء وخاصة ممن اتصلوا بالقصر الفاطمي أمثال ابن أبي عصام والزوذباري.

وبعد حياة مليئة بالمتع والوشايات والسرور والأحزان. مات الأمير تميم بن المعز لدين الله الفاطمي سنة 375هجرية، وعمره 38 سنة، ودفن في تربة الزعفران مع أجداده.


لم يصل كل شعر الأمير تميم إلينا، وأكثر ما لم يصل إلينا ما قاله في المغرب قبل قدومه مصر.


يقول الأمير تميم في مطلع قصيدة مدح لأخيه العزيز بالله بعد انتصار الأخير في معركة ضد القرامطة:


أعَذْلاً وَما عَذَلَتْنِي النُّهَى

وَلا طرَد الحِلمَ عَنّي الصِّبا

وكيف تلومين صَعْبَ المَرامِ

وَتَلْحَيْنَ مثليَ كهلَ الحِجَا

بلوتُ الزمانَ وأحداثَه

على السِّلْم منهنّ لي والوَغَى

فما فَلّلتْ حربُها لي شَباً

ولا ازددتُ بالسِّلم عنها رِضا

إذا قلتُ لم أَعْدُ فصلَ الخطابِ

وإن صُلْتُ أيقظتُ عينَ الرَّدَى

أرَتني التَّجاربُ ما قد بَدَا

فقِسْتُ بِه كلَّ ما قد خَفا

ولم يبلُغِ العمرُ بي من سِنِيهِ

ثلاثين حتى بلغتُ المَدَى


وقال فيها مفاخرا بنفسه


أنا ابن المُعِزِّ سليلِ العُلاَ

وصِنْوُ العزيز إمامِ الهُدَى

سما بِي مَعَدُّ إلى غايةٍ

من المجد ما فوقها مُرتَقَى

فَرُحتُ بهَا فاطميَّ النِّجارِ

حُسَينيَّة عَلَوِيَّ الجَنَى

وما احتجتُ قطُّ إلى ناصرٍ

ولا رُحتُ يوماً ضعيفَ القُوى



وقال في غزل جارية له


يا شادِنا جَرْدَ مِن لحظِهِ

سيفاً فلم يُبقِ به حَيَّا

اُرددْ عليَ القلبَ من قبل أن

يَعلمَ خَلْقٌ بينَنا شَيّا

وقل لعينيْك تَرُدُّ الَّذي

قد سَرقتْ من نومِ عَيْنَيّا


وقال في الطرد (الصيد)

ومَهْمَه مُشتبِهِ الأَرْجاءِ

جَهْمِ الفَيافِي مُوحِشِ اليَهْماءِ

عارِي الرُّبَا إلاّ من النَّكْباء

صَلْدٍ عَزَازٍ شاسِع الفضاء

أجردَ مثلِ الصخرة الصمّاء

لو وسَمْته ثُغْرةُ السماء

بكلّ هَطّالٍ من الأَنْواءِ

كَنَهْوَرِ الغَيمْ سَحُوحِ الماء

ما قَدَرتْ فيه على خَضْراءِ

كأنّه مَنْخَرِس البَوْغاء

فَهْوَ كمثل الهامة الحَصَّاء


ولا يمكن أن نعدد مختلف الخصائص الفنية لشعر تميم بن المعز لدين الله إلا أن نميز شعره ببعض الخصائص كالفخر بنسبه الحسيني والفخر بآل البيت، وذكر مصاب آل البيت وما يخصهم من أحداث وأماكن مثل كربلاء والمدينة والكوفة وقبورهم ورجالهم وأصحابهم وأعدائهم.


فيقول في قصيدة نظمها للصيد وقد جاء في مواضيعها الغزل بمحبوبة له قال :

وأنتَ ممّا أَتقِي وِقائي

كم مُضْمِرٍ لي عُقَدَ الشّحناء

يَنْسُبُني فيك إلى السَّواء

جَبَهْتَهُ بالردّ والإقصاء

ولم تُمَكِّنْه من الإصغاء

حفظاً لطَاعاتي وللإخاء

حتى انثنى محترِقَ الأحشاء

والعدلُ جَبْهُ الكاشح السَّعَّاء

لا والدّمِ الجاري بكَرْبِلاء

ومَنْ بها من دائم الثَّواء

بني عليٍّ وبني الزَّهْراء

ذوِي التَّناهِي وذوي العَلاء

ما حُلْتُ عن مُسْتَحْسَن الصفاء

فيك ولا عن خالص الوفاء.

فوجدناه يقسم بدم كربلاء ومن بها من دائم الثواء، ثم عرفهم أنهم بنو علي وبنو الزهراء، ثم مدحهم، وكل ذلك تعظيما لقسمه.


وقال في مدح الصديق، وقد قالها في صديقه الحسن بن إبراهيم الطبطبائي

يا شاعراً جلّ عن أنْ

يُقَاسَ بالشعراءِ

ويا ظريفاً بليغاً

أَرْبَى على البُلَغاء

قد جاء شِعُرك يَشْفِي

قَارِيه من كلّ داء

كالقُرْبِ بعد بِعَادٍ

والوَصْل بعد جفاء

أو مثلَ لذَة راجٍ

بنَيْلِه للرجاء

من أين خفْتَ بأنّي

أُحصيك في الثُّقَلاء

وأنتَ للنفس أَشْهَى

من الغِنى والبقاء


وقد استهدى صديقه هذا يوما غروسا (أي طلب منه غرس زهرة هدية) فأنفذها إليه الحسن بن إبراهيم فكتب الحسن بن إبراهيم إلى الأمير تميم أبياتا هي :


وصلتْ هدّيتُك التي أرسلتَها

يا سَيِّد الكُبَراء والأُمرَاءِ

فحكَتْ لنا طيباً خلائقَك التي

أُورِثْتَها من رابع الخلفاء

فاسْلَمْ وعِشْ فيما تحبّ فإنه

وقفٌ عليك الدّهَر دُرّ ثنائي

هي جوهرٌ في النّبْتِ إلاّ أنّها

تَفْنَى ويبقَى جوهر الشعراء


فرد عليه الأمير تميم كعادة الشعراء الأصدقاء:

أمّا الرّياضُ فإنّها مسروقةٌ

للنّبْت من ألفاظك الغَرّاءِ

إنِّي بعثتُ بها إليك وإنها

لَذَواتُ إطراقٍ وذاتُ حَياء

كالشّيء يَسْتهديه منّيَ ربُّه

أنتَ الأحقّ بها وبالإهداء

منك استعار الحُسْنَ كلُّ مُحَسَّنٍ

فلك انتسابُ محاسن الأشياء

وَظَرُفتَ حتى فُقْتَ كلَّ مُظَرًّفٍ

ولَطُفتَ حتى فُقْتَ لُطْف الماء

ديباجُ لفظك فوق كلّ منِّورٍ

لكنّ خيراً منه حسنُ صفاء

لا شيءَ أحسنُ من خليلَيْ غبطةٍ

يتَراضعان لِبانَ كلّ وفاء

هذا يُناجِي ذا هوىً وتحافَظَا

أبداً ولم يَسْتمتعا بلقاء


وقال في الوداع :

وإذا تَأمّلْتَ الوداع رأيتَه

دمعاً يفيض على الخدود دماءَ

وَلَوَ أنّ قلبي فيك أُعطِيَ سُؤْلَه

يوم الفِراق لفارقَ الأحشاء



وقال في رثاء جارية كان يودها كثيرا :

كلُّ سيوفِ الموت عضبٌ حسامْ

إذا غَدَا كلُّ حُسامٍ كَهامْ

وللرّدَى داعٍ إذا ما دعا

جَدَّ ولَم يَرعَ لخَلْقٍ ذِمام

لله ما بانَ بِه يومُها

من رِقّة الظَّرف وحُسْن الوسَام

كانت رضا النفس ونَيْلَ المنى

ولذّةَ العيش وطِيبَ المدام

ريحانَ سمعي وسَنَا مقلتي

وسُؤلَ قلبي من جميع الأنام

لهفي على ما فات من قربها

لهفاً له في كلّ عضو سَقام

لهفي على تلك الطِّباع التي

قال خُلِّصت من كلِّ عيب وَذَام

لهفي وقَلَّ اللهفُ منّي لَمن

كان سلوِّى عنه كلّ اهتمام

لم أدرِ في حبّي لها ما الأسى

ولا تطعَمتُ أليمَ الغرام

وكلّ محبوب له ضَجْرةٌ

يطول فيها العذل والإختصام

وما تجنّتْ قطّ مذ أيقنتْ

أنِّي بها ذو كَلَف مستهام

ولا دعاها التَّيهُ يوماً إلى

أن تُظهِر الدَّلَّ وتُبِدي المَلام

خلائقٌ كالشّهد معسولةٌ

وعشْرةٌ كالروض غِبَّ الغَمام

أَنعَى إلى الإطراب أخلاقها

ولذَّةَ الإيناس يومَ النِّدام

أَنعَى إلى العُودِ وأوتارِه

ذاك الغِنَا الجائز حدَّ التَّمامْ

أنعَى إلى الإحسانِ إِحسانهَا

وشَدْوَها العذبَ كسَجْعِ الحَمام

يا حبّذا وَصلُكِ لو لم يَبِن

وحبّذا قُرْبُك لو كان دام

ما كنتِ إلاّ كبدي قُطِّعتْ

ومقلتي بانت وقلبي استهامْ

وكنت قد دافعتُ عنها العِدا

فكيف لي عنكِ بدفعِ الحِمام

لو كان غيرُ الموتِ لم يستطعِ

رميكِ دوني بجليل العِظام


وقال مرة لما دعاه أبو المعز لدين الله للخدمة وقد كان الأميريلهو في بعض بساتين المنصورية

مالي عَجلتُ إلى دُعائكْ

وحُرِمتُ حَظّي من لقائكْ

وتركتَني مُسْتَوْحِشاً

لمّا عزمتُ على اصطفائك

حتّى لقد أوهمتَني

أنّي أخونُك في وفائك

صلّى عليك الله من

مَلكٍ وزادك في حِبائك


وللأمير تميم بن المعز لدين الله من القصائد ما يطول به الشرح وما بها من مختلف المقاصد والمعاني وحق أن يسمى كما قال د/عارف تامر (إنه أمير الشعراء المصريين بلا منازع).


فقد الأمير تميم عرشا دنيويا لكن كان له عرشه الروحي الذي بقي إلى اليوم سابحا فوق بحار شعره التي انتقى موجها موجة موجة وشواطئها شاطئا شاطئا.

كان هذا تعريف مختصر بشعر الأمير ونظرة لطيفة إلى واحد هو من أهم شعراء العربية.


هو الأمير تميم بن معد (المعز لدين الله) بن إسماعيل (المنصور بنصر الله) بن محمد (القائم بأمر الله) بن عبيدالله (المهدي) بن محمد بن جعفر بن محمد (المكتوم) بن إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب.


محمد شحاته حسين

تعريف به : كاتب وشاعر مصري ولد في أسيوط عام 1984 ميلادية ، له العديد من الأعمال الأدبية والسياسية المنشورة في العديد من الصحف.







 
 
 

Comments


  • White Facebook Icon
  • White Twitter Icon
  • White Instagram Icon
  • White YouTube Icon

جميع حقوق النشر محفوظة لدى موقع دروب

 

bottom of page