الديالكتيك (نحو حكومة عالمية موحدة)
- محمد شحاته حسين " محمد العريان"

- May 26, 2021
- 4 min read
Updated: May 27, 2021
لعل الجدلية القائمة حول سيادة الدولة ومدى تحكمها في الحدود. يحتاج إلى توضيح مقدار السخف الذي تتحلى به التعريفات القديمة في مقابل الحركة التقدمية الصناعية.
ولابد أن نفهم أن الجغرافيا السياسية في ظل عالم اليوم لا يمكن أن تنفصل بحال عن مفهوم الجغرافيا بكافة مكوناتها الطبيعية و الإقتصادية.
فالعالم الذي تحكمه عدة اتفاقيات دولية تحاول الدفع بالخريطة العالمية إلى الوضع الرجعي لشكل الحكومات مع الحفاظ على متطلبات العالم اليوم، لم تعد تكفيه هذه الإتفاقيات. ومن العسير أن نعبر عن هذه الروابط الإقتصادية و التجارية وحتى الطبيعية بوضفها إتفاقيات. فهي من الأمور اللازمة للحياة اليوم، و لا يمكن لشعب أو حكومة اتحاذ أي قرار مناوىء لها من حيث عولمية هذه الروابط اللازمة.
الوطنية و الإنحدار.
ليست الوطنية حقيقة في ظل تبصرنا في تاريخ العالم إلا محاولة بريئة لمحاولة فرض عرق على بقية الأعراق أو شعب على بقية الشعوب. ولازالت الوطنية هي القيمة الرجعية الوحيدة التي يمكن التغني بها سياسيا دون حرج على كافة المستويات في جميع أنحاء العالم. مما يكسبها شرعية وجودية تدفع العالم دائما نحو التنافسية الشرسة.
فالوطنية تحمل في مفاهيمها العملية ما لا يمكن للنماذج الأخلاقية التي قد يعتقدها هؤلاء الوطنيون موافقتها. فالوطنية قادرة على صنع الضرورة اللأخلاقية. وهذا التناقض ليس إلا خطأ في الوطنية نفسها. التي حاولت كافة الأيديولوجيات القديمة الحفاظ عليها بل ووضعها في إطار ديني كي تكتسب شرعية مساوية لشرعية الأخلاق. مما يسهل انتزاع أي حق أخلاقي والتعدي عليه لصالح الوطنية.
و إن أقل تمثيل للوطنية على أحجام بشرية أقل عددا كالأسرة مثلا سيكشف عن عوار رهيب.فلك أن تتخيل أسرة تقوم بالكيد لبقية الأسر من حولها والتجسس عليهم لصالحها و العمل دوما على التسيد عليهم لصالح الأسرة. بالطبع سنشعر بالقرف الشديد إزاء هذه التصرفات إن كنا نعتقد نمزذجا أخلاقيا ينافي هذه التصرفات.
لكن وبكل بساطة فهذه الأفعال لها أطرها الشرعية في حال ما استخدمت لصالح الوطن.
الإتفاقيات العالمية و الديالكتيك .
حين ننظر في الإتفاقيات الدولية اليوم فمن الكذب أن نقول أنها نتاج اتفاقيات تفاهمية للمشاكل الدولية.
فغالبية الإتفاقيات الدولية هي نتاج مجهودات عسكرية. و إذا ما استطعنا تصور بداية العالم اليوم بداية من الثورة الفرنسية. فسنجد أن أهم الإتفاقيات الدولية هي نتاج حروب و تهديدات قوى عسكرية. بل إن حدود الكثير من بلدان اليوم هي نتاج هذه الحروب . أي أن أوطان اليوم هي وليدة حروب الأمس.
و إذا ما عدنا تجاه تفهم السبب لوجوب وجود وطن. فهنا نكشف عن مشاعر غير مريحة هي الرواسم لهذه الأوطان.
الخوف على جماعة بشرية من جماعة أو جماعات أخرى تهدد وجودها.
الإيمان بوجوب العزلة للحفاظ على مكتسبات شعبية أو عرقية تفقد قوتها في حال الإنفتاح العالمي.
محاولة الإستئثار بموارد ومكتسبات مادية سواء طبيعية كالمناجم أو بشرية كالمعابد المقدسة.
فالأسباب والدوافع كلها نتاج قلق عالمي مستمر. وتكمن قوة الوطنية في محاولة التميز الدائم والمستمر و لو على مستوى العرق.
العالم لم يكن يوما صالحا للتشطير.
إن تشطير العالم في شكل قطع أراضي يحاول ساكنيها التحكم في مواردها بالشكل الذي يرونه هم ولمصلحتهم هم. هو شكل ينمي عن عقليات بشرية غبية إذا ما كان تحكمهم هذا على حساب الرفاه العالمي.
النزعة التقدمية هي الأصل.
فإذا ما فرضنا أن في العالم بئر واحد وحقل واحد. و إذا ما أصر كل شعب عنصر من العنصرين الإستقلال كلية. فليس للبئر فائدة وبالطبع سيجف الحقل. لقد فقد كلا من العنصرين الرفاه من ثم الحياة.
و محاولة الوصول إلى اتفاق بين شعب البئر و شعب الحقل ليضمن كلا منهما الرفاه المناسب هو أقصى ما استطاع العالم اليوم الوصول إليه.
بالطبع لم تكن العولمة اليوم فقط. فالتاريخ به أكثر من مرحلة عولمية وشبه عولمية نستطيع من خلالها بوضوح كيف استطاعت سلطة مركزية التحكم في أقاليم شاسعة متباعدة في أنساق مختلفة.
و إذا ما ظهرت قوة استطاعت السيطرة على البئر الحقل سوية فهذا التوحيد هو بداية اندثار وطنيتين لصالح نظام عولمي ناشيء. يرى البئر والحقل أدوات يمكنه استغلالها بعيدا عن ما يسمى اتفاق بين شعبين هم دائما في مرحلة ترقب و تأهب للإنفصال. في حال غياب الفكر الكلي الشامل الذي يضمن مصلحة الجميع.
إن الدول تستطيع تفهم النظم العالمية بسهولة. و السوق هو أول مكان يتسم بالفكر العولمي الحقيقي على مدار التاريخ.
فالصياد يصيد من النهر و الفلاح يزرع . صانع الحبال يجدل حباله من ليف النخيل. ويلتقي الجميع ليتم تبادل هذه السلع بشكل مباشر أو بصكوك دين (عملة).
وفي حال منع فكر السوق . فسنحصل على مجموعات من العاملين /الشعوب لديها بضائعها المكدسة التي لا قيمة لها. حتى ينتهي الجميع.
ولعل الفكر البدوي الذي يدعي أنه قادر على البقاء فهو بذلك يشبه الحشرات التي تتلصص على الحضارات لتتحصل على حاجيتها من ثم إطلاق دعوى العصامية. وهذا زيف محض. و مهما استطاع الإنسان اقتناص أسباب الحياة كالصرصار من تحت أعتاب الدور و الأسواق فهو بذلك يمارس عمل العالة بامتياز. فهو يكره ما يستفيد منه بشكل يثير الشفقة على مثل هذه العقول التي لا تريد الإقتناع أن البداوة هي نتاج ظروف تاريخية لها دوافع الضرورة كالهروب أو الإنهيار الكلي أو بقايا الحضارات القديمة المنهارة أو حتى حب العزلة لأسباب دينية أو فكرية.
والحقيقة أنه في حال وجود نظام عولمي محكم فلا وجود للبدو.
النظام العالمي الطوباوي.
سأقوم بتعريفه من تلقاء معرفتي و أبحاثي أنه ( نظام يسود العالم يستطيع استغلال كل شيء لصالح كل شيء). وبالطبع لنا أن نتصور كيف يمكن أن يكون هكذا نظام. يستغل البئر الإستخدام الأمثل ليحفظ الحقل الذي يحفظ الحياة التي تحفظ الإنسان الذي يحفظ الماء الذي يظهر في بئر جديد ليستغله الإستغلال الأمثل. إنني أتحدث عن نظام يضع في حسبانه جناح الذبابة كعنصر في النظام يجب استغلاله الإستغلال الأمثل وأن يعمل كل شيء لصالحه.
و هنا علينا أن نقف طويلا لنفكر. إن الإستغلال الأمثل للأشياء لابد مهما فعلنا و أن يقضي بها إلى الفناء. فما هو محور الإستفادة. لا أحب أن أقول من هو السيد الذي يجب أن يضع النظام الكل في صالحه و أن يعمل هو على صالح كل شيء. إذا كنا نحن الذين نبحث في الأمر فهو نحن. أي العقل. فكل من يحمل عقلا قادرا على تفهم هذه القضية هو المنوط بها.
الوطنية و الديالكتيك
لا يمكن اعتبار وجود إشكالية جدلية بين متناقضين صحيحين إلا من خلال انعدامية معرفتنا لحلها.
محمد شحاته حسين
فالديالكتيك القائم بين الوطنية و العالمية هو ديالكتيك ناتج عن متناقضين أحدهما صحيح الوجود و الآخر خاطىء الوجود.
فمحاولة تصور إمكانية حل أي إشكالية بطرق بعيدة عن الصراع هو تصور خاطىء. فالحقيقة أن الديالكتيك الصحيح هو وحده الذي نكفل له إمكانية وجود حل لمتناقضاته.
وبعيدا عن تفهمنا الخاص للديالكتيك و استدراك المصطلح بما سنضمنه له من نتاجنا الشخصي. (يحتاج إلى مقالة خاصة)
يمكن أن نعي أن التناقض بين الوطنية والعالمية هو تناقض غير بناء. ولا يمكن إلا وصفه بالديالكتيك الخاطىء. فلا يمكن حدوث تفاعل أو خلط أو تطور لهذه العلاقة إلا على حساب أحد المتناقضين والقضاء عليه. إما الوطنية و إما العالمية.
و محاولة إيجاد رابط وسيط بينهما هو محاولة خداعية لصالح أحد الطرفين.
فالوطنية الخالصة تتنافى مع مبدأ العالمية الخالصة، ومحاولة التقريب بينهما هو في الواقع محاولة لنفي المتناقضات المميزة لكلا منهما، أو نفي الوعي بوجود هذه المتناقضات. بما يسمح بقيام علاقة مشوهة لا يمكن أن تنتهي لتفضي إلى تطور أفضل.
يستكمل...
محمد شحاته حسين (محمد العريان)




Comments