الحياة و الإنتحار (مقالات في قيمة الحياة)
- محمد شحاته حسين " محمد العريان"

- Aug 3, 2021
- 3 min read
إن الذين لا يؤمنون بأي شيء وراء هذه الحياة، فإن ذلك يجعلها فاقدة القيمة.
فقيمة الشيء مترتبة على ما بعده. وما ليس بعده شيء فلا قيمة له.
فالتدافع المستمر للقيم هو الذي يجعل لها قيمة، وتوقف التدافع يعني أنها كلها بلا قيمة.
إن قيمة الحياة أيها السادة عند الذين يعتقدون بأن لها بعد، نابعة من هذا الإعتقاد، كذا يتم العمل فيها بمقتضى هذا الإعتقاد.
ولو أن كل شيء في هذه الحياة ليس له بعد، فذلك يعني أن لا فائدة منها كلها. وما لا فائدة منه زائد، وما هو زائد غير موجود.
فكل موجود له فائدة.
لذا فإننا نقول أن قيمة الحياة تحدد باختيارنا. باعتقادنا لما سيكون بعدها. وكلما كان ما بعدها له قيمة أكبر كانت هي كبيرة كذلك، فقيمة الحياة تزيد بقيمة ما بعدها.
وإذا ما كان الإعتقاد يقول بقيمة متزايدة لما بعد الحياة، فذلك يعني أن الحياة المستمرة لا قيمة لها، فالحفاظ على قيمتها بوجود اعتقاد بقيمة أكبر منها بعدها ،يوجب أن تكون استمراريتها ، خلودها، لا قيمة له.
فالمنحنى القيمي يجب أن يكون متزايدا، والخلود ليس إلا إطالة لقيمة تحمل الإنتظار. و الإنتظار ينقص القيمة ويشي بالنقص و عدم الإكتمال.
لذا فإني أعتقد جازما أيها السادة أن من لا يؤمن بشيء وراء حياته هذه، فعليه أن ينهيها من فوره.
فهي مجرد مشقة وجهل. وعناء لا يحتمل.ومهما كانت مسراتها فهي باطلة لا قيمة لها.
غير أننا نوجب أن ما له وجود فقبله وجود وبعده وجود. فلم تكن لحياتنا قيمة إلا لطور لاحق بها.
و إذا ما تحدثنا عن القيمة، كما سبق، فإنها تنبع من اعتقادنا نحن. و إذا ما كان اعتقادنا هو المحدد للقيمة، فلا فائدة من وجود سبق وجودنا، ويجب أن يكون بداية وجودنا هو بداية المنحنى القيمي.
إن الحياة إن كانت لها قيمة تبعا لما نعتقده بعدها، فإننا نتحدث عن قيمة كلية، و تزايد المنحنى في الطور التالي يحدده مدى الإستفادة من قيمة الطور الحالي.
إننا ببساطة لا نفعل إلا لأننا نعتقد بنتيجة ما، مادية أو معنوية، بل قد نفعل لأننا نعرف أن لكل فعل نتيجة، وهذا نقره. سواء رصدنا النتيجة استطعنا أم لا.
و إذا ما كنا نفعل ونفعل، ولا نعتقد بأي فائدة من الفعل، فلماذا نفعل؟! إن كان الإنتحار حل غائب عن بعضنا!
إلا أن ظننا أننا لا نفعل، ذلك أننا لا نفعل ما نعتقد أننا يجب علينا فعله، إلا أن الفعل حادث في كل حال، فعدم الفعل فعل، فالمسألة نسبية القياس.
فالنوم فعل، والسكوت فعل. فالإمتناع عن فعل فعل هو فعل آخر يحدث.
إننا نقر أيها السادة ان الحياة إن اعتقدنا بلا بعدها فلا قيمة لها. وهذا بينا أنه محال .
أما تصورنا أن الحياة أفعالها يقضي بعضها على بعض وتكون محصلتها لا شيء، فهذا محال من جهة التحقيق.
وإن كان من جهة التصور بداءة فإن هذا قد يحدث فجأة أو بعد أزمنة طويلة على قياسنا. إلا أن ما دفع الحياة من أولها لابد أن يجعل لها مدخلا إلى طور جديد.
أما انتهاء الطور فهذا نعني به، انتهاء الحدوث على نفس الكيفية، وهذا في كل شيء، مهما تشابهت الكيفيات في الفعل الواحد، فمن المحال التكرار. ولو على القياس نسبة إلى زمان أو مكان. فلو تأكدنا أننا قمنا بركل كرة مثلا في الساعة التاسعة صباحا، وقمنا بركلها الساعة السابعة مساءا، وبنفس التقدير و القوة والزاوية ، إن فرضنا تطابق الكيفية، فقد حدث التغير في الزمان.
إن التحقيق في قيمة الحياة، يجعل منها فاقدة لها إن فقدنا نسق يحكم تصرفاتنا فيها. فهي على مقياس من لا يعتقد بجدواها، باطلة القيمة.
كذا الإنتحار لا يعني التخلص لما بعد الحياة، فهو تخلص من طورها الحالي، ولا يمكن إيقاف كافة أطوارها فهي موجودة بنا أو من غيرنا. ولا قيمة لها خالصة دوننا، فإنها ما كانت حياة لولا أننا نحياها. وإذا ما متنا فلن تنتهي إلا بالنسبة لنا. ولكن استمرارها بعد معرفتنا بموت من كانوا قبلنا. يعني أنها مستمرة دون تقييمن دا الشخصي لها.
لعل العقل يقول أن الموت خدعة، كذا الحياة خدعة.
هنا يجب ان نقول اننا نتعامل تبعا لها، ولو كانت خدعة.
و إذا ما كانت خدعة ام لا فلابد من اتخاذ قرار نحوها
وإذا ما قلنا أن عدم اتخاذ قرار هو بحد ذاته قرار ألا نتخذ قرارا، فإن هذا توقف عقلي لا أكثر، بينما تمضي الحياة نفسها بقرارتها.
وإن الإعتقاد الأسمى اننا نحيا الحياة تبعا للحياة، أي أننا مستسلمين لها، ولا يعني ذلك أن نترك الأمور تجري على عواهنها تبعا لنا، بل إننا نعتقد أننا نؤمن بقوانين هي الحياة وسنتها، وأن ما سوى ذلك هو تقليل من قيمتها. وبالتالي تغيير للطور التالي لها. فإذا ما كان للموجودات حياة فإننا كذلك لنا حياة، وتفاعلنا البناء معها، هكذا نعتقد، هو مسألة خلاف مع غيرنا الذي يرى نسقه هو الأمثل للتعامل معها، بينما نرى نحن نسقه وقوانينه هدامة له وللحياة كلها التي ليس يحيا فيها وحده.
فإن استسلامنا للحياة تبعا لما نراه بقوانينا أنه الإستسلام هو الإستفادة الكبرى بقيمتها لنحصل على نتائج أفضل من قيمة الطور اللاحق بها.
إن انضباط أقوالنا نابعة من تداعي الطرح الذي نعتقده. وإن أي خطأ استدلالي أو وجود مسلمات لا مبرر لها، هو نتاج أننا نعتقد جازمين أن المرء لابد له من مسلمات غيبية، يعتقدها لا يمكن له التدليل عليها بوسائل منطقية. ولا يمكن نقضها إلا باستظهارها لا تخضع لمقاييس الغيبية و يمكن للمنطق والتجريب نقضها.
محمد شحاته حسين (محمد العريان)
يستكمل..




Comments