الإحتباس الحراري بين الواقع والخيال
- محمد شحاته حسين " محمد العريان"

- Nov 15, 2022
- 6 min read
لا يمكن بالطبع إنكار التغير مادام هناك متغير.
إن العالم اليوم يواجه كوارث بيئية حقيقية، ولا يمكن لعاقل تصور أن العالم اليوم هو كما كان قبل عصر الثورة الصناعية. ولا نحتاج إلى مزيد جهد لإثبات التغير في طقس مدينة ما مكتظة بالسكان والمصانع ووسائل المواصلات عما لو كانت مدينة هادئة خاية. فالتلوث البيئي سيحيلها بكل تأكيد إلى غرفة خانقة تستحيل معها الحياة بشكل طبيعي.
لكن بعيدا عن مشاكل التلوث والمبيدات والغازات المنبعثة من المصانع وعوادم وسائل المواصلات . إذ ظهر مفهوم آخر مريب لتفسير ما يحدث إنه التغير المناخي. إن التغير المناخي بالشكل والأدلة العلمية المطروحة لإقناع العامة بضرورة تفهم خطر القضية لا تتعدى فرضيات هناك من يحاول البرهنة عليها بشكل يجنح فيه إلا الكثير من المغالطات. سواء على مستوى الأرقام المطروحة أو على مستوى التعامل مع هذه الأرقام.
إن الفرق بين التلوث البيئي والتغير المناخي لا ينفصمان حقيقة. فكلاهما نتاج التكاثر المتسارع لمنظومة التصنيع والإستهلاك.
فالأرقام المطروحة مفزعة وتخيل لمن يعرفها أن السماء خارج غرفته ما هي إلا طبقة من الزخام والرماد.
لكن هل حقا هناك ارتفاع في درجات الحرارة أم انخفاض؟ فهناك تغير مناخي حقيقي يحدث والأرقام إن صحت فهي ضعيفة جدا وغير محسوسة للإنسان المجرد لكنها بكل تأكيد مرصودة بالأجهزة الدقيقة.

فيكون السؤال هل الغازات الحبيسة هي حقا السبب الكلي الوحيد لهذا التغير؟ وكيف نعرف إذا ما كان التغير نتاج الإنسان أم يرافقه تغير تاريخي متكامل تماما كالعصور الجليدية وغيرها. وهل التغير الناتج عن البشر أكثر تأثيرا أم التغير الطبيعي إن وجد، وأيهما سينتصر في النهاية ليكون هو المسؤول الكبير عن التغير المناخي.
إن الآليات المطروحة لرصد التغير المناخي عبر 100 مضت، هي في حد ذاتها محل نقد علمي. فالأرقام آنذاك ربما كانت تقريبة في العقود الأولى كما أن الآلات المستخدمة للرصد ليست بدقة آلات اليوم. كذا أهداف الرصد آنذاك تختلف عن هذا السبب المستجد، ومن الممكن أن تؤثر نوعية الأهداف على دقة التدوين. فاليوم بكل تأكيد هم أكثر حرصا على رصد أي تغير مهما كان وتسجيله بعناية، ما لم نضع في الحسبان إمكانية التلاعب بهذه الأرقام.
كما لا يمكن تجاهل وجود طفرات في الأرقام في بعض السنين دون غيرها بشكل كبير إلى حد أنه غير دفة النتائج. ففي السبعينات؛ ومازال البعض إلى الآن، يؤمن بأن العصر القادم هو عصر جليدي جديد. ذلك أن بيانات الرصد سجلت درجات انخفاض غير عادية في الحرارة. بينما نجد أن النظرة الغالبة اليوم هي نظرة الإحتباس الحراري. مما جعل العلماء يخرجون بنظريات مختلفة حول ما الذي يمكن أن يؤدي إليه الإرتفاع في درجات الحرارة، فتارة يقال أن السحب الدخانية والغازات ستعمل على حجب ضوء الشمس مما يجعل الأرض أكثر برودة. بينما يقول البعض الأخر أن هذه الغازات بينما يقول البعض أن هذه الغازات الإحتباسية ستمتص درجات الحرارة ولا يمكن تصريفها، مما سيرفع درجة حرارة الأرض. فصارت القضية كالغولة التي اختبأت ليلا في بيت إنسان فرأته ينفخ في الشوربة لتبريدها وينفخ في يديه لتسخينها.
والمثال ليس بعيدا، فالأمر بالفعل به الكثير من العوامل .الجوية والسطح أرضية والجوف أرضية ولا يمكن التنبؤ بما سوف يكون عليه الحال إلا بضبط الكثير من العوامل ما لم نستطع ضبطها كلها
لكن أكثر ما يريب أن الكثير من الأمور والأحداث صار يتم ربطها بالمناخ بشكل يثير الذعر. ذوبان الثليج في القطب الشمالي مما سيرفع مستوى سطح البحر، مما سيهدد الكثير من المدن الساحلية بالغرق.
ويبقى السؤال إن كان ذوبان الثليج حقيقيا فما تأثير الإنسان في ذلك، فربما الثليج قد بدأ في الذوبان قبل عصر النهضة الصناعية . مما يجعل تأثير الإنسان تأثيرا تسريعيا لا أكثر أما الثليج فسيكمل رحلة ذوبانه بنا أو بدوننا كما أن انخفاض درجات الحرارة في القطب الجنوبي بشكل متزايد. يقول أن الحسابات كلها بها أمر غير مفهوم.ما لم نقل إن التغير المناخي أمر طبيعي ولا يعدو فيه الإنسان إلا كمن يضرب شجرة عملاقة تسقط بالفعل بحصاة.
إن حالة الذعر الهائلة التي تصدرت وسائل الإعلام والكثير من النشرات العلمية بشكل متزايد من عام 1989 حتى يومنا لابد لها من سبب حقيقي. مرت خلالها قضية المناخ بحالة من المعارك العلمية والفلسفية بشكل تورطت فيه شركات البترول الكبرى والكثير من الحكومات ما بين تقارير متضاربة وقرارات مختلفة. فالولايات المتحدة على سبيل المثال شهدت خلال الفترة ما بين عام 1989 حتى 2021 أكثر من قرار بالإلتحاق باتفاقيات تخص المناخ والرجوع عنها. وباتت سمة الحزب الديموقراطي دفاعه عن هذه القضية على عكس غريمه الحزب الجمهوري الذي ما إن يتولى السلطة حتى ينسحب من كل اتفاقية مناخ كان قد أبرمها الحزب الديموقراطي بل إن الرئيس جو بايدن وقع أمرا تنفيذيً في أول يوم له في منصبه في 20 يناير 2021 للانضمام إلى الاتفاقية.و انضمت الولايات المتحدة رسميًا إلى معاهدة باريس في 19 فبراير 2021.
فالأمر صار قضية هي أولى أجندات كبار قادة العالم اليوم. منذ أدلى جيمس هانسن عالم ناسا بشهادته وقدم نماذج بحثية إلى الكونجرس في يونيو عام 1988 ، قائلاً إنه "متأكد بنسبة 99 بالمائة من أن الاحتباس الحراري كان على عاتقنا" يقصد البشر وليس الطبيعة.
وبعد عام واحد ، في عام 1989 ، تم إنشاء الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) تحت بإشراف الأمم المتحدة .
وبدأ طرح القضية بشكل عالمي.
إن المتتبع لقضايا المناخ سيجد مسارها كالآتي, بداية بالمشاريع البحثية من خلال محطة مراقبةأنشأها معهد سكريبس لعلوم المحيطات في عام 1958 على قمة مرصد ماونا لوا في هاواي.
وكان لعالم الكيمياء الجيولوجية سكريبس تشارلز كيلنج دور الأساس في تحديد طريقة لتسجيل مستويات ثاني أكسيد الكربون. وكشفت البيانات من المرصد ما أصبح يعرف باسم "منحنى كيلنج". أظهر المنحنى التصاعدي على شكل أسنان ارتفاعا مطردا في مستويات ثاني أكسيد الكربون .
ومنذ ذلك الحين تمت الإشارة إلى غاز ثاني أكسيد الكربون كمتهم أول ورئيس في مشكلة المناخ وتم تتبع التاريخ الحديث لهذا المتهم لتكون الصناعة بشكلها الذي نعرفه اليوم هي من أهم أسباب وجوده وتزايد نسبه وبالطبع توجهت كل التقارير إلى حيث مصادر الطاقة فتم سجن الفحم الحجري والكثير من أنواع الصناعات ومازال المتهم الأكبر حرا طليقا ألا وهو النفط، وشركات النفط.
لقد وصلت كل النتائج إلى أن النفط هو المسبب الكبير في أيامنا للإحتباس الحراري.
وببساطة سنوضح مسار الإنتقاء الذي سارت عليه قضية المناخ إلى اليوم.
هناك تغير في المناخ. برودة أم احترار؟ وانتهى الغالبية إلى كونه احترار سبب الإحترار؟ الغازات الحبيسة أي من الغازات الحبيسة أكثرهم تأثيرا في القضية؟ ثاني أكسيد الكربون ما مصدر ثاني أكسيد الكربون؟ المصانع ولماذا المصانع؟ لأنها تستخدم النفط
إذن فهو النفط سبب كل هذه المشكلة! وبين هذه الفرضيات والنتائج تقارير وأسباب لا تحصى تم استبعادها، وكل القضية صارت بعد التأكيد باستمرار على وجود احتباس حراري تأكيد ثان على أن استخدام النفط هو السبب.
وبدأت المعارك بين البرلمانات وشركات النفط وشركات النقل البحري وهيئات البيئة وكافة المنظمات الحقوقية. ولا يمكن تصور حجم المليارات من الدولارات التي دفعت بطرق شرعية وغير شرعية لتمرير قرار ما أو رفضه. وبالطبع فكل قرار يترتب عليه حركة اقتصادية هائلة وبات الأمر مسألة اقتصادية بحتة تحركها التقارير العلمية من هنا وهناك.
إن نظرية المؤامرة تلقي بظلالها على قارة إفريقيا. فالوعد بعالم نظيف من خلال تنمية استخدام مصادر طاقة نظيفة في إفريقيا من مشاريع الشمس والرياح والبحر، كلها تعد بطموحات يتطلع لها كل من يريد عالما أفضل. لكن على جانب آخر فإن كل هذه البدائل لا ترقى بأي شكل لتحل مقام البترول. وعليه فإنه من الممكن القول أن توجيه حكومات الدول الكبرى للقارة الإفريقية بتنمية مصادر الطاقة البديلة ليست إلا استبعاد لشريك مستقبلي هائل بما تمثله القارة الإفريقية من معدلات تسارع في النمو السكاني، كذا تطلعات شعوبها للصناة والتنمية، مما يجعل البترول الإفريقي محل تنازع كبير. وليست قضية الإحتباس الحراري تبعا لهذه النظرية إلا إعادة ترتيب وهدم لأسواق وبناء أواق جديدة ومحاولة إزاحة أكبر قدر ممكن من المستهلكين عن سوق البترول ليتم الإستحواذ عليه من قبل حكومات الدول الكبرى.
فتضخيم مشكلة الإحتباس الحراري بهذا الشكل وعلى أعلى المستويات لا ينذر بالتفاؤل قدر ما ينذر بأن هناك قرار عالمي ما يخص قطاع البترول بشكل خاص. وبالطبع فإن قضية المناخ وبكل هذا الزخم يمكنها أن . .تنسحب على العديد من المجالات الأخرى غير البترول.
فارتفاع منسوب مياه البحر وتهديد مدن بعينها بالغرق والإختفاء بالكلية، كمدينة الإسكندرية، وربط كل هذا بالإحتباس الحراري. يجعلنا نقول أن زلزالا حدث في الإسكندرية عام 365 ميلادية كان هو السبب فيما يحدث للإسكندرية حتى يومنا هذا. وصف المؤرخ أميانوس مارسيلينوس أحداث 21 يوليو عام 365 قائلا " بعد الفجر بقليل، وبشر بسلسلة كثيفة من الصواعق المهتزة بشدة، تزعزت صلابة الأرض كلها، وذهب البحر بعيدا، وعادت المياه في وقت غير متوقع وقتلت عدة آلاف بسبب الغرق، سفن ضخمة جاثمة على أسطح البنايات ، وألقيت سفن أخرى على بعد ميلين من الشاطىء"
قتل زلزال الإسكندرية وقتها قرابة 5000 شخص في الإسكندرية و 45 ألف شخص فيما جاورها من قرى ودمر حوالي 50 ألف منزل واختفة نصف المدينة بالكامل، ودمر مساحات هائلة من الأراضي الزراعية التي لم تعد تصلح للزراعة، وأخذ البحر يزحف عبر السنين حتى غمر الحي الملكي..ومازالت الإسكندرية تعاني. كذا مثيلتها مدينة البندقية المهددة من اليوم الأول مذ أنشئت بالغرق، وقد تعرضت عبر تاريخها لكثير من الفيضانات وإعادة التشكيل، لكن في أيامنا بات الإحتباس الحراري هو المهدد الأول لمدينة البندقية! فالحسبة سهلة، حين يذوب القطب الشمالي سيرتفع مستوى البحار، وستكون المدن الساحلية في كثير من بلاد العالم مهددة بالغرق.
إن هناك الكثير من الأسباب والعوامل المستمرة والمفاجئة التي يجب دراستها قبل أن نشير بكل بساطة إلى الإحتباس الحراري وكأنه المعضلة التي بحلها ستنتهي المشاكل. فالأرض في تغير مستمر بطبقاتها وقاراتها وزلازلها وبراكينها وحركات المد والجذر عبر السنين، ومن السخافة أن نتناسى كل هذا حين نتحدث عن قضية الإحتباس الحراري!
هذا المقال نظرة عامة على قضية الإحتباس الحراري مع التغاضي عن كثير من النقاط التي يحتاج كل منها إلى مقال منفصل كردود فعل شركات النفط، والمعارك الجارية بين مختلف المؤسسات والمصانع، وما يترتب على كل قرار حكومي من قوانين تخص المصانع ، وما هو تأثير كل ذلك على الأسواق.
محمد شحاته حسين " محمد العريان"
مصر 2022
ارتفع وشاهد



Comments