الأيامى
- محمد شحاته حسين " محمد العريان"

- Mar 12, 2021
- 8 min read
علمنا من مسالكنا أن معنى قوله وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32) أن الأيامى هن أمهات اليتامى. وبهذا يستقيم المعنى بغير سقم ولا رجم بالغيب كما يفعل المفسرون إذ ضمنوا معناها ومعنى النساء عامة. ولم يفرقوا بينها وبين النساء، ومنهم من قال أنها المرأة التي لا تتزوج.
قالوا : الأيامى: جمع أيم، وهي المرأة التي لا بعل لها، وقد قيل للرجل الذي لا زوج له، وبذلك على طريق التشبيه بالمرأة فيمن لا غناء عنه لا على التحقيق. والمصدر: الأيمة، وقد آم الرجل وآمت المرأة، وتأيم وتأيمت، وامرأة أيمة ورجل أيم، والحرب مأيمة، أي: يفرق بين الزوج والزوجة، والأيم: الحية.
وقالوا (نقلا ولا فائدة من مصادر فالأمر مشهور على مختلف مذاهب المسلمين في معناها)
فيه سبع مسائل : الأولى : هذه المخاطبة تدخل في باب الستر والصلاح ؛ أي زوجوا من لا زوج له منكم فإنه طريق التعفف ؛ والخطاب للأولياء . وقيل للأزواج . والصحيح الأول ؛ إذ لو أراد الأزواج لقال وانكحوا بغير همز ، وكانت الألف للوصل . وفي هذا دليل على أن المرأة ليس لها أن تنكح نفسها بغير ولي ؛ وهو قول أكثر العلماء . وقالأبو حنيفة : إذا زوجت الثيب أو البكر نفسها بغير ولي كفء لها جاز . وقد مضى هذا في ( البقرة ) مستوفى . الثانية : اختلف العلماء في هذا الأمر على ثلاثة أقوال ؛ فقال علماؤنا : يختلف الحكم في ذلك باختلاف حال المؤمن من خوف العنت ، ومن عدم صبره ، ومن قوته على الصبر وزوال خشية العنت عنه . وإذا خاف الهلاك في الدين أو الدنيا أو فيهما فالنكاح حتم . وإن لم يخش شيئا وكانت الحال مطلقة فقال الشافعي : النكاح مباح . وقال مالك ، وأبو حنيفة : هو مستحب . تعلق الشافعي بأنه قضاء لذة فكان مباحا كالأكل والشرب . وتعلق علماؤنا بالحديث الصحيح : من رغب عن سنتي فليس مني . الثالثة : قوله تعالى : الأيامى منكم أي الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء ؛ واحدهم أيم . قال أبو عمرو : أيامى مقلوب أيايم . واتفق أهل اللغة على أن الأيم في الأصل هي المرأة التي لا زوج لها ، بكرا كانت أو ثيبا ؛ حكى ذلك أبو عمرو ، والكسائي ، وغيرهما . تقول العرب : تأيمت المرأة إذا أقامت لا تتزوج . وفي حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنا وامرأة سفعاء الخدين تأيمت على ولدها الصغار حتى يبلغوا أو يغنيهم الله من فضله كهاتين في الجنة . وقال الشاعر : فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي وإن كنت أفتى منكم أتأيم ويقال : أيم بين الأيمة . وقد آمت هي ، وإمت أنا . قال الشاعر : لقد إمت حتى لامني كل صاحب رجاء بسلمى أن تئيم كما إمت قال أبو عبيد : يقال رجل أيم وامرأة أيم ؛ وأكثر ما يكون ذلك في النساء ، وهو كالمستعار في الرجال . وقال أمية بن أبي الصلت : لله در بني علي أيم منهم وناكح وقال قوم : هذه الآية ناسخة لحكم قوله تعالى : والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين . وقد بيناه في أول السورة والحمد لله . الرابعة : المقصود من قوله تعالى : وأنكحوا الأيامى منكم الحرائر والأحرار ؛ ثم بين حكم المماليك فقال : والصالحين من عبادكم وإمائكم . وقرأ الحسن ( والصالحين من عبيدكم ) ، وعبيد اسم للجمع . قال الفراء : ويجوز ( وإماءكم ) بالنصب ، يرده على الصالحين يعني الذكور والإناث ؛ والصلاح الإيمان . وقيل : المعنى ينبغي أن تكون الرغبة في تزويج الإماء والعبيد إذا كانوا صالحين فيجوز تزويجهم ، ولكن لا ترغيب فيه ولا استحباب ؛ كما قال فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا . ثم قد تجوز الكتابة وإن لم يعلم أن في العبد خيرا ، ولكن الخطاب ورد في الترغيب والاستحباب ، وإنما يستحب كتابة من فيه خير . الخامسة : أكثر العلماء على أن للسيد أن يكره عبده وأمته على النكاح ؛ وهو قول مالك ، وأبي حنيفة ، وغيرهما . قال مالك : ولا يجوز ذلك إذا كان ضررا . وروي نحوه عن الشافعي ، ثم قال : ليس للسيد أن يكره العبد على النكاح . وقال النخعي : كانوا يكرهون المماليك على النكاح ويغلقون عليهم الأبواب . تمسك أصحاب الشافعي فقالوا : العبد مكلف فلا يجبر على النكاح ؛ لأن التكليف يدل على أن العبد كامل من جهة الآدمية ، وإنما تتعلق به المملوكية فيما كان حظا للسيد من ملك الرقبة والمنفعة ، بخلاف الأمة فإنه له حق المملوكية في بضعها ليستوفيه ؛ فأما بضع العبد فلا حق له فيه ، ولأجل ذلك لا تباح السيدة لعبدها . هذه عمدة أهل خراسان والعراق ، وعمدتهم أيضا الطلاق ، فإنه يملكه العبد بتملك عقده . ولعلمائنا النكتة العظمى في أن مالكية العبد استغرقتها مالكية السيد ؛ ولذلك لا يتزوج إلا بإذنه بإجماع . والنكاح وبابه إنما هو من المصالح ، ومصلحة العبد موكولة إلى السيد ، هو يراها ويقيمها للعبد . السادسة : قوله تعالى : إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله رجع الكلام إلى الأحرار ؛ أي لا تمتنعوا عن التزويج بسبب فقر الرجل والمرأة ؛ إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله . وهذا وعد بالغنى للمتزوجين طلب رضا الله واعتصاما من معاصيه . وقال ابن مسعود : التمسوا الغنى في النكاح ؛ وتلا هذه الآية . وقال عمر - رضي الله عنه - : عجبي ممن لا يطلب الغنى في النكاح ، وقد قال الله تعالى : إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله . وروي هذا المعنى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أيضا . ومن حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ثلاثة كلهم حق على الله عونه المجاهد في سبيل الله ، والناكح يريد العفاف ، والمكاتب يريد الأداء . أخرجه ابن ماجه في سننه . فإن قيل : فقد نجد الناكح لا يستغني ؛ قلنا : لا يلزم أن يكون هذا على الدوام ، بل لو كان في لحظة واحدة لصدق الوعد . وقد قيل : يغنيه ؛ أي يغني النفس . وفي الصحيح ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس . وقد قيل : ليس وعد لا يقع فيه خلف ، بل المعنى أن المال غاد ورائح ، فارجوا الغنى . وقيل : المعنى يغنهم الله من فضله إن شاء ؛ كقوله تعالى : فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ، وقال تعالى : يبسط الرزق لمن يشاء . وقيل : المعنى إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله بالحلال ليتعففوا عن الزنا . السابعة : هذه الآية دليل على تزويج الفقير ، ولا يقول كيف أتزوج وليس لي مال ؛ فإن رزقه على الله . وقد زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - المرأة التي أتته تهب له نفسها لمن ليس له إلا إزار واحد ، وليس لها بعد ذلك فسخ النكاح بالإعسار ؛ لأنها دخلت عليه ؛ وإنما يكون ذلك إذا دخلت على اليسار فخرج معسرا ، أو طرأ الإعسار بعد ذلك لأن الجوع لا صبر عليه ؛ قاله علماؤنا . وقال النقاش : هذه الآية حجة على من قال : إن القاضي يفرق بين الزوجين إذا كان الزوج فقيرا لا يقدر على النفقة ؛ لأن الله تعالى قال : يغنهم الله ولم يقل يفرق . وهذا انتزاع ضعيف ، وليس هذه الآية حكما فيمن عجز عن النفقة ، وإنما هي وعد بالإغناء لمن تزوج فقيرا . فأما من تزوج موسرا وأعسر بالنفقة فإنه يفرق بينهما ؛ قال الله تعالى : وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته . ونفحات الله تعالى مأمولة في كل حال موعود به
وقالوا :
{ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }
قال علي بن إبراهيم: كانوا في الجاهلية لا ينكحون الأيامى، فأمر الله المسلمين أن ينكحوا الأيامى، ثم قال علي بن إبراهيم: الأيم: التي ليس لها زوج.
وجاء في الطبرسي
القراءة: في الشواذ قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير من بعد إكراههن لهن غفور رحيم وروي ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام. الحجة: اللام في هن متعلقة بغفور أي غفور لهن. اللغة: الأيامى جمع أيم وهي المرأة التي لا زوج لها سواء كانت بكراً أو ثيباً ويقال للرجل الذي لا زوجة له أيم أيضاً قال جميل:
أُحِـــبُّ الأيـــامى إذْ بُـثَيْنَةَ أيِّمٌ وَأحْبَبَتُ لَمّا أنْ غَنِيْتِ الغَوانِيا
وقال الشاعر:
فَإنْ تنْكِحِي أنْكِحْ وَإنْ تَتَأيمِّي يَدَا الدَّهْر ما لَمْ تَنْكِحِي أتَأيَّمُ
والفعل منه آمت المرأة تئيم أيمة وأيوماً والانكاح التزويج يقال نكح إذا تزوَّج وأنكح غيره إذا زوَّجه، والاستعفاف والتعفف سواء وهو طلب العفة واستعمالها ويقال رجل عف وامرأة عفة والكتاب والمكاتبة أن يكاتب الرجل مملوكه على مال يؤدّيه إليه فإذا أدّاه عتق وأصله من الجمع وكل شيء جمعته إلى شيء فقد كتبته ومنه الكتاب لتداني بعض حروفه إلى بعض وهنا قد جمع العبد نجوم المال. وقيل: جمع ماله إلى مال السيد. الإعراب: أحد مفعولي انكحوا محذوف تقديره وانكحوا رجالكم الأيامى من نسائكم أو نساءكم الأيامى من رجالكم وانكحوا الصالحين من عبادكم إماءكم الصالحات أو الصالحات من إمائكم عبادكم الصالحين لأن الأيامى يشتمل على الرجال والنساء والصالحين يشتمل عليهما أيضاً وقوله { منكم } و { من عبادكم وإمائكم } الجار والمجرور في موضع نصب على الحال ومن للتبيين وكل موضع يكون من مع معمولة والعامل فيه في محل النصب على الحال لا يكون إلا كذلك. المعنى: ثم أمر سبحانه عباده بالنكاح وأغناهم عن السفاح فقال { وأنكحوا الأيامى منكم } ومعناه زوّجوا أيها المؤمنون من لا زوج له من أحرار رجالكم ونسائكم وهذا أمر ندب واستحباب وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من أحب فطرتي فليستنَّ بسنتي ومن سنتي النكاح " وقال صلى الله عليه وسلم: " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباه فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " وروى عطاء بن السايب عن سعيد بن جبير. قال لقيني ابن عباس في حجة حجها فقال: هل تزوجت؟ قلت: لا قال: فتزوج قال: ولقيني في العام المقبل فقال: هل تزوجت؟ قلت: لا فقال: اذهب فتزوّج فإن خير هذه الأمة كان أكثرها نساء يعني النبي صلى الله عليه وسلم. وعن أبي هريرة قال لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد للقيت الله بزوجة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " شراركم عزَّابكم " وقال صلى الله عليه وسلم: " من أدرك له ولد وعنده ما يزوجه فلم يزوجه فأحدث فالإثم بينهما "
وفي غير ذلك جاء مثله
فانظر كيف ذهبوا في أقوالهم شتى، لا يجتمعون على معنى واضح، بل شملوا معناها الفقر والعيلة والحاجة، ومنهم من ذهب إلى أنها تعني النساء الأحرار،.
وإذ لا فائدة من تبيين بطلان أقوالهم ندخل إلى قولنا ونقول: أن الأيامى هن أمهات اليتامى، وقد حض على إنكاحهن، إذ من المعلوم أن المرأة إن مات زوجها ومعها أطفالها، فإن نصيبها في الزواج يقل، ويعزف عنها الراغبون، لما في ذلك من مسؤولية ومشقة يتكفلها الزوج الجديد، فكان النص واضحا بالترغيب في إنكاحهن. ولما نتجنب الدخول في شرح مسالكنا فإن كل ما في الأمر هو استقصاء الدليل مما وصل إلينا، ونجده.
ورد في الحديث
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة وأومأ يزيد بًالوسطى والسبًابة امرأة آمت من زوجها ذات منصب وجمال حبست نفسها على يتاماها حتى بًانوا أو ماتوا
رواه عوف بن مالك الأشجعي ، نقله أبو داود في سنن أبي داود وحكم عنه بأنه : سكت عنه [وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكت عنه فهو صالح]
وهذا الذي يخصنا لا شرح الحديث كله ففيه كلام، فما بين ترغيب الدين في تزويج النساء، وبين هذا الحديث الذي يجعل امرأة حبست نفسها عنه مع النبي يوم القيامة. وإن كان الفهم لا يستعصي عن هذا، فلعل لها ظروف وأمور أحاطت بها منعتها فحبست نفسها عن الزواج . وهذا قريب للفهم وارد الحدوث، كثير جدا. فكما يمدح الدين العمل ويأمر به ويحث عليه، فإن المعلوم أن من أجاد العمل استغنى وربما أغنى، ونجد أن الفقراء هم أكثر أهل الجنة، فلا تعارض بين الحالين.
فنعلم مما سبق أن الأيم هي المرأة التي مات عنها زوجها وترك لها منه أبناءا ، وأن قوله وأنكحوا الأيامى جاء بقراءة واحدة(وَأَنْكِحُواْ) ولم يقل ولم يكن قوله (وانكحوا) بفتح الكاف. فالترغيب في تزويجهن أولى من الترغيب في الزواج منهن. لما في ذلك من بيان عسرة حالهن، فهن في مأزق إجتماعي ، محاصرات بضيق السعة، وإن كثر المال وتوفر، ومضيق عليهن من أهاليهن كما نعلم في بيئاتنا الإجتماعية من تضييق الحال على المطلقات خيفة التغرير بهن، ومن ثقل همهن إذ لهن أولاد يتامى، واليتيم كما نعلم شرعا يبقى يتيما ما لم يبلغ الحلم، وذلك دليل على عولهن، وحاجتهن لتربية أطفالهن من جهد ورعاية ومراقبة ومال. فكل ما سبق وأكثر يجعل سوقهن في الزواج كاسد ، فحث النص على إنكاحهن ، فهن مفعولات بهن، فالسعي عليهن لإنكاحهن هو المطلوب، فلن تخرج امرأة تعيل أطفالها لتقول للناس زوجوني، كذا لن يقبل الراغبون في الزواج عليها لما سبق وذكرناه، فتوفيق نكاحها أمر بيد المطالبين بالنص.
وهذا وإن قصر المقال على هذا المعنى (الأيامى هن أمهات اليتامى) فذلك كفى.
تنويه : ما جاء في هذا المقال من معاني هو خالص من مسالكنا.
محمد شحاته حسين




Comments