إنسان الملح ( آدامورد) 1
- محمد شحاته حسين " محمد العريان"

- Aug 11, 2021
- 3 min read
Updated: Aug 12, 2021
تنوعت الأملاح في الأرض والبحر، ولعل الملح أقدم ما ذاقه الإنسان على وجه الأرض، حقيقة لا أعرف، ما مذاق أول شيء ذاقه البشر، لعله شيء يشبه اللبن، لبن الأم به من الملح ما يكفي، فهذا أول ما يتذوقه الإنسان بعد خروجه من رحم أمه، لكن بكل تأكيد كان من بين القائمة شيئا مالحا غيره، حجرا أبيضا به تجاويف مغبرة مختلفة الألوان.
مكث آدامورد في البداية مع قبيلته الهائمة راحلين في براري الشرق الأقصى. يحدوهم الأمل أن يعود الملك إلى رحمته، ويسمح لهم بالعودة إلى ديارهم. بعد أن عارضوا إرادته أن يعمروا غرب الأرض. فأمر بطردهم إلى صحراء الحد البعيد. إلى غرب مملكته.
كانت أعداد القبيلة في تناقص مستمر بسبب الجوع و المرض، فمقابل كل طفل يولد هناك رجلان يموتان في عمر الشباب.
نظر آدامورد إلى السهوب من حوله، وكان كثيرا ما يطيل النظر إلى ما حوله ، وكأنه لا يعنيه الطرد، بل لو لم يأمر الملك بطردهم، لجاء إلى هذه الأماكن وحده لو كان يعرفها. كانت الأشجار تكسو كل الجبال، بشكل متقطع ، لا الجبال تطغى على الأشجار ، ولا الأشجار تخفي حجارة الجبال، تشبه طاولة لعبة شطرنج منبعجة، حتى التي تبدو مركبة بصخور عملاقة مكعبة. كان يشعر أن الأشجار التي نمت بين شقوق هذه القلوع الصخرية العملاقة هي خير الأشجار، ولابد أنها ستعيش طويلا. فلا يمكن أن تتكلف كل هذه المشقة لتخرج من بينها من ثم تموت سريعا كبقية الأشجار.
كان ممشوق القامة، عريض الصدر، أسود الشعر أجعده، له شارب متصل بلحية متوسطة الطول، وكان وجهه النحيف قمحي اللون مع لحيته السوداء وقامته الفارعة القوية، يخبران بأنه لم يعاني كثيرا في الرحلة التي بدأت منذ شهور خلت، أو أن لدى جسمه قدرة على تحمل الصعاب.
بينما كان أفراد القبيلة في هزال مستمر، الأطفال شاحبون وهم أكثر الموتى، والنساء نحيفات كالحبال المهترئة، بينما أحسن الشباب لا يعدو مريضا أمام آدامورد قوي البنية.
استقرت القبيلة أسفل الجبل، الذي كان متصلا بسلاسل جبلية تحتل مساحة كبيرة من الأفق.
ومن إن حط الليل صدره على الأودية حولهم، حتى بدأ عواء الذئاب يملؤها. كانت ذئاب ذلك الزمان كبيرة، ويفوق بعضها الإنسان ارتفاعا، وما هي إلا دقائق حتى انتشر الصراخ في كل مكان. وبعد دقائق معدودة سكت كل شيء، و كان يظهر بعد أوقات متقطعة صوت من بعيد هنا وهناك لهاربين يصرخون، كان صدى أصواتهم المكتومة يقطع السكون فجأة بحدة.
طلع الفجر، ولم يجد آدامورد إلا أشلاءا ممزقة لقبيلته، على جروف الصخر و تحت الأشجار المتناثرة من حوله. فوجد نفسه وحده ذلك الصباح.
وبينما الشمس تحاول الطلوع، كان ضباب كثيف قد لفها بسرعة، وبدت السماء رمادية مسودة، وما يشع منها من ضياء أبيض من خلف الغيوم سريعا ما يتحول إلى ما يشبه الموج العميق.
وهدر صوت الرعد، آت كأن جبالا من السماء تسقط فوق الجبال التي تشبه المقالع في الأرض، التي كان قد صعد إليها آدامورد مختبئا من هجوم الذئاب وحده، ولم يحاول إنقاذ أي أحد من قبيلته ولو طفل، فقد هرب وحده سريعا عند هجوم الذئاب، وتلقفت قدماه النحيلتان القويتان الصخر، وكأنه تسلق هذه الصخور عدة مرات من قبل. لقد جري بسرعة دون أن يلتفت إلى الوراء، وكأنه ما من شيء يجري خلفه، ولا يوجد ما يدفعه إلى الجري إلا شيء أمامه يجري هو آدامورد إليه، لا شيء خلفه يطارده، ولم يتخذ لنفسه مكانا ينظر من خلاله إلى أسفل الجبل ليرى ما يحدث. وبدا عليه وكأنه لم يشعر بأي أسى أو حزن. رغم أنه كان يحمل سلاحا، سيفا قصيرا من الحديد، لكنه لم يفكر باستخدامه لحماية أحد أو إنقاذه.
أمطرت السماء بغزارة، وفي تلك اللحظة، اقتلع آدامورد بيده القوية مجموعة نباتات عشبية، نبتت على سطح الصخر الذي كان مستويا أمامه كأرض فوق سلسلة الجبال. و راح يقضمها. ويمضغها بأسنانه وضروسه ويتفها، وكرر ذلك عدة مرات حتى أنهى النبتة التي في يده، فالتقمها من جذورها البنية الصغيرة وراح يمتصها، بينما المطر يتساقط والبرق يضرب من فوقه بقوة بشكل دوري. في ذلك الصباح الذي كان يشبه تماما ساعة ما قبل الغروب بسبب العتمة.
أخذ آدامورد يكرر قلع النباتات المغسولة بالمطر، ويمضغها. من ثم جثا على ركبتيه أمام حفرة صخرية وضيعة، امتلأت بماء المطر، وراح يشرب منها بيده، ثم مال وأخذ يشرب بفمه. ثم أكمل الإستلقاء على الصخر، وألقى بسيفه بعيدا، وراح يستدير مسقطا جسمه في الماء، وأخذ يتمرغ. وكأنه أراد أن يستحم ويغسل تلك القطعة القماشية البسيطة التي تغطي أسفل جسمه ومربوطة بما يشبه حبلا سميكا، قد ثنى قطعة القماش حولها ليثبتها به.
بينما نعله الجلدي كان قد خلعه بنفسه، حين قرر الهرب، وهو يصعد الجبل. واستقر في الحفرة التي عمقها لا يزيد عن كفه، وتوقف عن الحركة، وكأنه سينام في هذا الحوض الصخري الصغير، مادا قدميه وذراعيه خارجه، ومن فوقه الغيوم تزداد كثافة، بينما البرق يضيء الجبال و الأودية من حوله، وسط زخ كثيف من الأمطار.
كان المكان من حوله يشبه لوحة نحاسية أصابها الصدأ الأخضر، أو مرايا لامعة بهتت وتلف ظهرها الفضي فتبدو لامعة في بعض المناطق و تبدو مظلمة حسب ضربات البرق التي كانت الجبال العملاقة تحتها او كتلال صغيرة لا تنتهي.
محمد شحاته حسين (محمد العريان)





Comments