عمال من حديد
- محمد شحاته حسين " محمد العريان"

- Jul 23, 2021
- 5 min read
Updated: Jul 24, 2021
الذي ليس من الدهشة بمقام أن يكتب رجل بعد أن جاوز الثمانين من عمره عن الشياطين والأحلام المزعجة.
إبليس في الضواحي ، أحلام مزعجة، قصص كتبها برتراند راسل بعد أن بلغ الثمانين.
ما بعد المكن
إن العلاقة بين العامل والماكينة دائما ما كانت تسودها علاقة حب، حين كان العامل سيدا للماكينة، ومذ صارت الماكينة تنافسه، بل وتهدد بالحلول محله، صار يحاربها، صار يستدعي كل ما يمكنه من هذيان، ليجعل المسألة أخلاقية، أخلاقية تبعا لرؤاه وفكره، أن وراء الماكينة الجديدة شيطان رأسمالي يريد القضاء عليه وعلى أسرته بالتشرد والفقر.
ذهبت تلك المرحلة في بعض البلدان، وتخلى الإنسان بعد رحلة طويلة من مشاهدة التحديث المستمر من حوله في كافة المجالات عن خطب البقاء والوجود، لقد انتصر الخطاب الحداثاوي الممعن في شرح فضيلة التقدم والتطور للسهولة بالمنتوج لا بالقول.
وعرف ذلك الجيل أن البقاء للأكثر قدرة على العطاء، وأن تشغيل العامل ليس هدفا بحد ذاته، وإنما الهدف هو فائض الثروة. وأن البطالة والعطالة ليست من مسؤوليات صاحب رأس المال وليس وظيفة المصنع تشغيل العمالة إنما وظيفته إنتاج المنتوجات.
أدرك أن العلم واللحاق بركب المطلوب من الإنسان في السوق ليس أمرا هينا، وأن لا مناص من العلم والتدريب الشاق المستمر ليكون دائما إلى جانب الماكينات التي تتطور باستمرار، وأن التخلف عن الآلة معناه فقد الوظيفة.
البطالة والدولة الحديثة.
يمازجني شعور عبثي تجاه خطب بعض القادة والسياسيين حين يتحدثون عن البطالة وعن ضرورة القضاء عليها، معتبرين ضمنيا في تلك الخطب وأحيانا صراحة أن الإنسان هو المخاطب الأول بالبقاء والحياة وليست الآلات. وكأنهم على استعداد أن يتخلوا عن كل تطور وتحديث من أجل الإبقاء على العمال في العمل.
وكأن وظيفة الدولة الحديثة تشغيل كل الناس، وهذا لعمري محض هراء، واستخفاف بالعقول. فالعالم اليوم لا توجد به حكومة واحدة يمكنها أن تعد مثل هذه الوعود الدرامية في ظل تطور الأنظمة الرأسمالية، إلا إذا كانت حكومة كاذبة.
فإما وفرة الإنتاج ومطابقة المعايير الدولية والمحافظة على النمو والجودة ، وإما الإنكفاء والرجوع إلى الخلف لنبحث عن الماكينات القديمة والعمال. أو أن الدولة تهرع لإنشاء عدد يكفي كل العاطلين.
وهذا الحل الأخير، هو العبث الذي صار يتصدر مضمون كافة الأفكار المختصة بالقضاء على البطالة. دون مراعاة لقوانين السوق التي صارت دولية أكثر منها محلية.
المال هو صاحب العمل
في بريطانيا ،حين سنت قوانين العطلات العامة ونال العمال حقهم بها، قال دوقة مسنة "ما عسى الفقراء أن يفعلوا بالعطلات؟ ينبغي عليهم أن يعملوا"
وحدهم الفقراء وقليل من الأغنياء من يعتقدون فضيلة الكدح من أجل الكد لا من أجل الحصول على الرفاه والفراغ.
إن عقلانية العمل، تتبدد إزاء المناورات المستمرة من الحكومات لجعل اليد العاملة لها المجد الخالد حتى ولو لم تكسب إلا القليل.
وإن التاريخ يحفل بتعاقب الحكومات، بما يضمن تعاقب الأفكار والمشروعات التي تحتاج دائما إلى العمال.
ولو تخلت الحكومات عن دعم فكرة (شرف اليد العاملة) لوصل الغليان بسرعة إلى طبقة رأس المال، أولئك المرتاحون الذين قد يجنون 90% من كسب العمال دون أدنى جهد. وقد استطاعوا خلال عمر الحياة ، عمر المال نفسه، أن يؤطروا لأنفسهم فكرا يحملهم على أقوال كبيرة مثل (المسؤولية/ الإدارة/ العمل الذهني الأشق..)، وأنقذتهم الماكينات بعد أن كانوا في حروب مستمرة لا ينهينها إلا استخدام المؤامرات والقوة ليبقى رأس المال هو المهمين.
فبعد ظهور الماكينات، انحسر دور العمال، من ثم ظهر دور أصحاب رؤوس الأموال جليا مبهرا، بل استطاع الحصول على شرف لم تستطع اليد العاملة الحصول عليه. شرف العقل والتفكير والمسؤولية الكبيرة تجاه القضايا.
حتى أننا قد نجد أي شركة، ولو تصنع حلوى الأطفال، تدعي أن لها دورها الوطني الهام الذي لولاه لانهار اقتصاد البلد العظيم، ولسقطت الأمة كلها في حفرة الظلمات.
والحق أن هذه الدعاية المغرضة قد تكون حقيقة، إذا ما كان اقتصاد البلد قوامه حفنة رجال أعمال يعملون في تجارة السلاح والمخدرات وتهريب الآثار والمناجم، إلى جانب صنع الحلويات والشيكولاته التي تنمي أجسام الأطفال نموا صحيحا!
حينها يكون الإقتصاد الرسمي مبني على تلك الصناعات التافهة ، التي ولحرص الحكومة استطاعت تلك الشركة الواعدة أن تصدر حلواها إلى الخارج.
أسواق كدرة
إن محاولة الحصول على اقتصاد شفاف إلى درجة يمكننا معه الرؤية من خلاله إلى ما يمكن أن نفعله ليكون الجميع بخير هو أمر صعب، ولا يحتاج إلا إلى القوة لتصفيته.
لقد عاد الإقطاع والإحتكار ، وعادت العلاقة بين رأس المال والسلطة، بأشكال أشد مكرا وأكثر خبثا مما كانت عليه في أي عصر مضى. إلا أن الفضيلة الوحيدة التي اكتسبها العمال عبر تاريخ كفاحهم الطويل ، هو معرفة أن لهم حق. وإن كان هذا الحق غير ممكن الحصول عليه، إلا أنهم عرفوا أن لهم حق، غير تلك الأزمان السابقة ، التي كان يعمل العامل فيها كعبد وهو يظن أن من حق صاحب المال أن يفعل به ما يشاء.
لا يمكن للكفاح أن يهب الإنسان إلا مكتسبات حقيقية، فالكفاح دائما ما يفي بوعده. ومهما توهم الإنسان أن كفاحه راح سدى، فهو في الحقيقة جاهل لما اكتسبه، غير عالم بما قد حصل عليه. لقد حصل على حقه في الكفاح قبل أي شيء. هذا الحق الذي يبدو لديه بسيطا لا قيمة له، كان من المستحيل أن يكون لو عاد إلى سنين طويلة مضت، كان فيها الحديث عن الكفاح مسطورا في أبواب الظلم والعدوان وانتهاك حقوق السادة والأعيان، كان فيها الكفاح عملا لا يتحدث عنه إلا المجرمون والأرذال وأوساخ الخلق.
أولئك الذين يتمردون على أولياء عمتهم ، طامعين فيما ليس من حقهم.
فلسفة العمل
إن العامل يفرح حد العظمة حين يشعر أن عمل يده يستخدمه الناس، ولطالما فخر الصانع بصناعته. وإن غياب هذا المفهوم هو تغييب للروح الإنسانية، روح المشاركة الوجودية التي تتمثل في أن يهب العامل وقته وشقاه من أجل الآخرين.
إن هذه الرؤية وإن فقدت بريقها حين يتأثر وضع العامل، وحين يشعر أن هذه الرؤية بدأت تطغى على ما سيكسبه لقاء عمله، قد صرف وجهه عنها، إلا أنها مازالت قائمة في وجدان العامل.
حين عرف العامل أن رأس المال اللئيم يستغل حبه للعمل، وإيمانه به.
العامل المثالي
وإذ نظرنا إلى العامل المثالي، فهو الإنسان الذي يعمل ولديه أدوات يستخدمها، وكلما أجاد استخدامها صار عظيما. فهو الذي يهب الآخرين ما عملت يداه، ما بذله من جهد وشقاء، وهو الذي لا يستمتع بوقته في النظر إلى الورود ولا مراقبة الفراشات للمتعة، هو الذي يزدري كل شيء إلا تمجيد اليد المتسخة جراء العمل، تلك اليد التي يكسوها القشف واليبوسة، وتتحلى بالقوة والمهارة.
وإن عبارة كقول أحدهم ط في الوقت الذي كنت أنت تلعب فيه ، كنت أقضي وقتي في العمل لأجلب لك المال"
فالعامل لديه القدرة على تحويل متعته في العمل إلى وسيلة تأنيب لمن لا يعملون. فالشقاء الذي يختلط بالحب هو وحده القادر على صنع تلك الحالة من القدرة على تحويل عمل العامل إلى وسيلة تأنيب وفخر.
تماما كما يفعل العسكريون حين يريدون ابتزاز مدني يجادلهم حقوقهم قائلين " في الوقت الذي كنت تجلس فيه آمنا بين زوجتك وأطفالك، كنا ننام فوق الرمال لنحرسكم"
إن العامل المثالي لا يخلو ضميره من سمات المحارب، بل إن المحارب نوع من أنواع العامل المثالي، وللحق فإن كل إنسان على هذا التدريج هو صورة ما من صوره، يقترب عنه أو يبتعد، إلا أن صفات كسبه في الحياة لا تنبع إلا من ذلك العامل الذي بداخله.
ولا أبعد من تلك الحضارات والشعوب التي كان فيها الناس يعملون في شتى أنواع الأعمال حتى إذا ما دعوا إلى الحرب أجابوا. فهم عمال في السلم ومقاتلون في الحرب. وليس القتال إلا عمل.
وإن الإنسان حين يشقى في عمله، فإنه سرعان ما يشعر بفخر خفي، ولعل علم النفس لديه رؤى كثيرة حول هذا الشعور، الذي قد نراه وسيلة ذهنية شعورية يحاول فيها الجسم البقاء أن يحول الشقاء الذي يجلب التعب واللاراحة إلى مصدر للفخر والشعور بالفائدة.
حتى أن العمال أنفسهم ليسوا سواء، إذ يعلمون قدر أنفسهم جيدا، وكل منهم يعلم قدر حاجة المجتمع إليه، ومن خلال ذلك يحدد أهمية وظيفته. إلا أن الأمور لا تسير بهذه الطريقة البسيطة، فالكثير من العوامل تدخل في حسابات العمال لتقدم عملا على عمل وتؤخر آخر.
ويدخل الدين والعرف وكثيرا ما تتدخل السياسة لتصنع فروقا تمييزية بين صنوف العمل. حتى أن في مصر مثلا ينال خادم المسجد تقديرا لا يناله من يخدم في البيوت.
فالأول موظف حكومي، كذا بسمات وظيفته فهو يعمل في مكان له خصوصية دينية، على عكس من يعمل في البيوت. رغم أن نوعية العمل تكاد تكون واحدة.
يستكل لاحقا..
محمد شحاته حسين (محمد العريان)
كاتب وشاعر مصري ولد عام 1984 في صعيد مصر.له العديد من الأعمال الأدبية والسياسية المنشورة في مختلف الصحف المصرية والعربية.




Comments